الأربعاء , 20 نوفمبر 2019
اخر الأخبار

دراسات


31 أكتوبر 2019 1:05 ص
-
نفوذ متزايد.. إيران تعزز تواجدها في أفغانستان

نفوذ متزايد.. إيران تعزز تواجدها في أفغانستان

كتبت: ماري ماهر

بحلول شهر ديسمبر المقبل، سيكون قد مر 40 عامًا على غزو الاتحاد السوفيتي لأفغانستان، وهي الفترة ذاتها التي تمثل كامل عمر جمهورية إيران الإسلامية تقريبًا. طوال تلك العقود الأربعة، ناضلت طهران من أجل حماية مصالحها داخل حدود جارتها الشرقية المضطربة، ولكن لم تجذب أنشطة إيران في أفغانستان الانتباه الخارجي الذي جذبته عملياتها في العراق وسوريا واليمن والخليج. ولا تزال أفغانستان ساحة مهمة وصعبة في كثير من الأحيان للسياسة الخارجية الإيرانية. وفي هذا الإطار، ناقشت ماهان عابدين، الخبيرة في شؤون الشرق الأوسط، في تحليل لها بمجلة "فورين أفيرز" الأمريكية مسألة النفوذ الإيراني في أفغانستان منذ قيام الثورة الإسلامية 1979 وحتى الآن.

 

قليل من المشتركات وكثير من المصالح

أوضحت عابدين أن مصالح إيران في أفغانستان ضيقة في بعض النواحي؛ فقد ركزت طهران جهودها تقليديًا على تمكين الناطقين باللغة الفارسية في البلاد وحماية الشيعة الأفغان الذين تعرضوا في السنوات الأخيرة لهجمات مروعة من قبل المسلحين السنة وعلى رأسهم تنظيم داعش الإرهابي. ومن الجدير بالذكر أن خمس الأفغان ينتمون إلى المذهب الشيعي.

لكن قبل كل شيء، تريد إيران أن يتحقق الاستقرار في أفغانستان. فقد تسبب الاحتلال السوفيتي وما لحقه من حالة عدم استقرار في نزوح ما يقدر بنحو ثلاثة ملايين لاجئ أفغاني إلى إيران، وقد أثر وجودهم بالتبعية على الموارد والخدمات العامة في العديد من البلدات والمدن في جميع أنحاء إيران. علاوة على ذلك، تخشى الحكومة في طهران أن تستغل المملكة العربية السعودية التقلبات في أفغانستان لتنمية وكلاء لها على الجهة الشرقية لإيران.

وأكدت عابدين أن المصالح بين واشنطن وطهران متعارضة في أفغانستان، كمثل ما هي عليه في أماكن أخرى كثيرة، ولكن لا تريد إيران أن تجعل جارتها الشرقية ساحة نزاع بينها وبين الولايات المتحدة، ففي كل الاحوال لن تستهدف طهرات القواعد والقوات الأمريكية في أفغانستان حتى في حالة تصاعد الأعمال العدائية في الخليج العربي، لأن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى اضطرابات وتقلبات على الحدود الشرقية لإيران لسنوات قادمة، ويريد صانعو السياسة الإيرانيون مغادرة القوات الأمريكية لأفغانستان، لأنهم مقتنعون بأنه يُمكن الآن إدارة الوضع في البلاد بطريقة دبلوماسية.

وكما وضعت إيران الاستقرار في صميم استراتيجيتها تجاه أفغانستان، زادت من تحسين العلاقات مع عدوها السابق ألا وهو حركة طالبان، فالآن أصبحت طهران مثل الولايات المتحدة، ترى أن استيعاب طالبان هو السبيل الوحيد لبناء مستقبل أكثر سلمية لجارتها.

أشارت عابدين إلى العلاقات الثقافية واللغوية العميقة التي تربط إيران وأفغانستان؛ فاللغة الوطنية الإيرانية، "الفارسية"، منتشرة على نطاق واسع في أفغانستان بلغة الداري المحلية ولهجات أخرى، كما يشترك الكثير من الإيرانيون والأفغان في الأدب والتلفزيون والموسيقى. وقد كانت هرات، أكبر مدينة في غرب أفغانستان، جزءًا من إيران حتى القرن التاسع عشر، وهي تحتل مكانة تاريخية في الثقافة الفارسية. وفي العصر الحديث، شكلت الهوية الدينية رابطًا مهمًا آخر عبر الحدود. لقد استثمرت كل من الملكية الإيرانية قبل الثورة والجمهورية الإسلامية بعد ذلك بكثافة في المجتمع الشيعي الأفغاني من خلال تمويل المساجد والجامعات والمؤسسات الخيرية، في المقام الأول بين مجموعة الهزارة العرقية، التي تشكل غالبية الشيعة في أفغانستان.

أوضحت الكاتبة أن كل هذه العلاقات لطالما أبطأت السياسة الإيرانية في أفغانستان. وخلال الاحتلال السوفيتي في الثمانينات، كانت إيران في حالة حرب مع العراق الأمر الذي صرف انتباهها عن التركيز على تشكيل المقاومة الأفغانية المعادية للسوفييت، وبدلاً من ذلك، دعمت طهران تشويش ميليشيات الشيعة والهزارة. وبعد الانسحاب السوفيتي، اندمجت هذه الميليشيات في جماعة شيعية تدعى حزب الوحدة الإسلامي في أفغانستان، لكنها كانت صغيرة نسبيًا مقارنة بجماعات المجاهدين السنة المدعومين من باكستان والمملكة العربية السعودية و الولايات المتحدة.

تراجع الدور الإيراني في أفغانستان وصعود طالبان

ومن خلال تأطير وجودها في أفغانستان في منظور الانتماءات الشيعية واللغوية، كانت إيران قد حدت من تأثيرها على مصير وتوجه البلاد بعد رحيل السوفييت، فكانت النتيجة أن تسلمت حركة طالبان السنية المدعومة من باكستان السلطة عام 1996، ومن الجدير بالإشارة هنا أن معظم أعضاء الحركة من البشتون. وقد تسبب هذا الأمر في شعور مجلس الأعلى للأمن القومي في إيران بالقلق إزاء مصير السكان الشيعة الناطقين بالفارسية، وعلى إثر ذلك صوت المجلس على قرار بغزو "هيرات" والاستيلاء عليها، لكن هذا الغزو لم يحدث أبدًا.

وفي عام 1998، قتلت جماعة مرتبطة بباكستان ومتحالفة مع طالبان 11 دبلوماسيًا إيرانيًا وصحفيًا في القنصلية الإيرانية في مدينة مزار الشريف شمال أفغانستان، ونتيجة لذلك حشدت إيران 200 ألف جندي على الحدود، كما دعمت "التحالف الشمالي"، وهو تحالف مكون من مجموعة من الميليشيات التي قاومت سيطرة طالبان في شمال أفغانستان، وحصل أيضًا على دعم من الهند وروسيا وقوى إقليمية أخرى.

بالنظر إلى هذا التاريخ، اختارت إيران تأييد الغزو الغربي الذي كانت تقوده الولايات المتحدة الامريكية لأفغانستان في نوفمبر 2001، حيث تعون مع عناصر "التحالف الشمالي" للإطاحة بنظام طالبان. وعلى الرغم من أن الوجود الأمريكي الموسع في أفغانستان لم يثري الزعماء الإيرانيين، إلا أن النفوذ الباكستاني والسعودي المتنامي في هذا البلد المجاور أزعجهم بشدة.

وشعر المسؤولون الإيرانيون بالقلق إزاء محاولات باكستان المتكررة قبل وبعد الغزو السوفيتي لأفغانستان عام 1979 لتثبيت الحكومات التي يهيمن عليها البشتون في كابول. وكانت باكستان تعتمد على المساعدات المقدمة من المملكة العربية السعودية وتوجيه المصالح السعودية في المنطقة من خلال رعاية الجماعات السلفية المتشددة، وتقديم الدعم السري للمتمردين العنيفين العاملين في مقاطعة سيستان وبلوشستان الإيرانية، وربما الأهم من ذلك، إثارة الفصائل المعادية لإيران داخل طالبان. وما عزز من القلق الإيراني، هجمات عام 1998 في مزار الشريف، حين قام المسلحون السنة بضرب أهداف إيرانية في أفغانستان.

ظن القادة الإيرانيون أن الإطاحة بحركة طالبان في عام 2001 سوف يقلل من سيطرة باكستان على السياسة الأفغانية. وبدلاً من ذلك، واستمرارًا لإحباط طهران، استمر نفوذ باكستان إلى حد ما بلا هوادة حتى بعد هجمات 11 سبتمبر التي قادت المنطقة.

وتؤكد عابدين أن أهداف إسلام أباد في أفغانستان لم تتغير، حيث تعتبر باكستان أن وجود حكومة أفغانية موالية لها أمر ضروري لعمقها الاستراتيجي فيما يتعلق بمنافستها، الهند. وقد أدى هذا الاعتقاد الدائم لدى باكستان إلى تمسكها بطالبان حتى بعد الإطاحة بالحركة وحتى في مواجهة الاحتقار الدولي.

وقد عانت العلاقات بين باكستان والولايات المتحدة من التوترات بسبب هذا الالتزام. ومع ذلك، فإن إيران ليس لديها ثقة كبيرة في أن الوجود العسكري الأمريكي في أفغانستان يمكن أن يحد من تأثير إسلام أباد، كما أنها تدعم انسحاب القوات الأمريكية حتى لو كان ذلك على حساب إعادة تمكين طالبان. وستواصل إيران تعزيز علاقاتها القوية مع حكومة أشرف غني – مؤخرًا وافق المسؤولون الإيرانيون والأفغان على توثيق التعاون في مجال الطاقة - ولكن مهما كانت طموحات كابول، أدركت طهران أن طالبان وداعميها في باكستان سيظلون ممثلين رئيسيين في أفغانستان. وإذا أرادت إيران أن تظل وثيقة الصلة بالبلاد وتقلل من النفوذ الباكستاني، فعليها أن تتقرب من طالبان.

محاولات إيرانية لتعزيز العلاقات مع طالبان

إن علاقة إيران بطالبان قد قطعت شوطًا طويلًا منذ التسعينيات، وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تتهم إيران بشكل دوري بالتعاون مع طالبان، إلا أن القليل من الأدلة الموثوق بها تشير إلى هذا التعاون. غير أن الكثير من الأدلة تشير إلى تحسن العلاقات السياسية بين إيران وطالبان. وفي ديسمبر الماضي، أكد علي شمخاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، أن إيران قد بدأت في إجراء محادثات مع طالبان، بالتنسيق مع الحكومة في كابول، من أجل معالجة "انعدام الأمن المتفشي" في أفغانستان.

بعض فصائل طالبان تحمل العداوات ضد الأفغان الشيعة وضد إيران، لكن فصائل أخرى مستعدة لإقامة علاقات أفضل مع طهران. ويعطي الدبلوماسيون الإيرانيون قيادة طالبان المزيد من الأسباب للثقة بهم، فعلى سبيل المثال تجاهر إيران باعترافها بأهمية طالبان؛ فقد أثار وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، غضب حكومة غني عندما أصر على التلفزيون الهندي في يناير 2019 أن على طالبان أن تلعب دورًا في أي تكوين سياسي مستقبلي في أفغانستان.

وتختتم عابدين بالقول إنه قبل عشرين عامًا، وحتى قبل عشر سنوات، لم يكن من الممكن تصوّر مثل هذا الخطاب من وزير الخارجية الإيراني، لكن إيران أعادت ضبط أولوياتها في أفغانستان وستحاول الوصول إلى تسوية مع طالبان بغض النظر عما حققته الولايات المتحدة أو فشلت في تحقيقه؛ فبعد أسبوع واحد فقط من انهيار المحادثات مع الولايات المتحدة في سبتمبر الماضي، وصل وفد من طالبان إلى طهران. إن إيران تعرف جيدًا أنه يجب عليها أن تُبقي خصومها السابقين على مقربة لإبقاء أعداء أكبر في مأزق.


أخبار مرتبطة
 
منذ 23 ساعةأكذوبة تركيا العلمانية.. كيف يستغل أردوغان الدين لفرض نفوذ أنقرة في بلغاريا؟17 نوفمبر 2019 4:25 ملماذا لا يحمي نظام أردوغان المرأة؟.. انتهاكات ممنهجة ضد التركيات15 نوفمبر 2019 8:00 مأسرار جولة التصعيد في قطاع غزة.. هل ساهمت المصالح بين حماس وإسرائيل في إنجاح العملية؟15 نوفمبر 2019 2:00 صصواريخ الحوثيين في اليمن.. خطر إيراني يُحدق بإسرائيل مستقبلًا15 نوفمبر 2019 1:01 صالمتسللون في إيران: العبور من الأجهزة المنتخبة إلى الثورية14 نوفمبر 2019 4:39 مغزة تقاوم.. أشكال المقاومة الفلسطينية في وجه العدوان الإسرائيلي14 نوفمبر 2019 1:01 صالمتسللون في إيران: العبور من الأجهزة المنتخبة إلى الثورية10 نوفمبر 2019 10:13 مدارك ويب.. تسريبات تكشف تورط دول في أحداث عالمية "إيران- روسيا- أمريكا"8 نوفمبر 2019 12:03 صويكيبيديا الفارسية: مصدر مستقل أم أداة للدولة الإيرانية؟29 أكتوبر 2019 10:56 متقدير موقف| لماذا أعادت السلطة الفلسطينية التنسيق السياسي والاقتصادي مع إسرائيل؟

التعليقات