الجمعة , 3 يوليو 2020
اخر الأخبار

دراسات


15 يناير 2020 6:31 م
-
يهود إفريقيا.. كيف تطورت علاقتهم بإسرائيل؟

يهود إفريقيا.. كيف تطورت علاقتهم بإسرائيل؟

كتبت: سماء عصام

 

على مر العصور، كانت الجاليات اليهودية ممتدة في العديد من الدول العربية والأجنبية. وعندما قامت إسرائيل في فلسطين، ونادت بعودة اليهود إليها، والتي كانت من دعائم الصهيونية، بقيت بعض الجاليات في بلدانها ولم تهاجر إلى إسرائيل، بعكس بعض الجاليات اليهودية التي عادت إلى إسرائيل واتخذت منها دولة رسمية لها. 

الجالية اليهودية في جنوب إفريقيا

بدأ تاريخ اليهود في جنوب إفريقيا في ظل الاستيطان الأوروبي والبريطاني فيها في القرن التاسع عشر، وكان لليهود دور فعال في تعزيز امتداد العلاقات العسكرية الدبلوماسية بين إسرائيل وجنوب إفريقيا. ولكن الجالية اليهودية في هناك كانت مختلفة عن نظيراتها في البلدان الإفريقية الأخرى حيث بقيت الغالبية في القارة بدلًًا من الهجرة إلى إسرائيل.

تاريخيًا، كان يهود جنوب إفريقيا هم أول من قاموا بصناعة الألماس والزراعة في كيب تاون وفي فترة الثمانينات واجه اليهود معاناة، حيث حُرموا من تولي العديد من المناصب؛ كالمناصب العسكرية، ومنصب رئيس الدولة، ومنصب وزير الدولة أو قاضي. كما أن الأطفال والمعلمين اليهود كان يتم استبعادهم من المدارس التي تدعمها الدولة. وفي أواخر الثمانينيات بدأ اندفاع الذهب في جنوب إفريقيا، مما جذب العديد من اليهود للعيش بها، وقد بلغ عدد السكان اليهود في ذلك الوقت حوالي 4 آلاف، وبحلول بداية التسعينيات بلغ عدد السكان أكثر من 40 ألف.

وفي بداية التسعينيات نشبت حرب سميت بحرب "البوير الثانية"، وكانت من أهم المعارك التي شارك فيها يهود جنوب إفريقيا بجانب البوير ضد الاستعمار البريطاني حيث شارك حوالي 2800 يهودي.  

وجدير بالذكر أن البوير هم سكان ذو بشرة بيضاء ناطقين بالإفريقية وبعضهم تزوجوا من الطائفة اليهودية الموجودة هناك. 

كما خدم حوالي 300 يهودي بين البوير خلال حرب البوير الثانية وكانوا يعرفون باسم "البوير جود" وتم تجنيدهم ومعاملتهم كأنهم لديهم حقوق مواطنة مثلهم مثل غيرهم، و قاتلوا اليهود ضد بريطانيا وبعضهم لقوا حتفهم وآخرين أخذتهم بريطانيا كأسرى واحتجزوا في معسكرات الاعتقال البريطانية في جنوب إفريقيا، ومنهم أيضًا من أُرسل إلى مناطق بعيدة مثل سانت هيلانة، برمودا، وسيلان. 

وعلى رغم من أن بعد حرب البوير، أصبح اليهود يتمتعون بحقوق متساوية مع الشعب، إلا أنهم أصبحوا عرضة مرة أخرى للاضطهاد في الأيام التي سبقت الحرب العالمية الثانية؛ ففي عام 1930، كان هناك قانون يهدف إلى الحد من دخول اليهود إلى جنوب إفريقيا، وذلك بسبب أن هناك غالبية من اليهود جاءوا من مجتمعات الشتات في ليتوانيا ومن ألمانيا، وبسبب هذا القانون توقفت الهجرة اليهودية تقريبًا إلى جنوب إفريقيا. ويذكر موقع معاريف العبري، أن ما يقرب من ستة آلاف ونصف يهودي جاءوا من ألمانيا إلى جنوب إفريقيا بين عامي 1933 و1939. 

ودعا الحزب المعارضة الوطنية في ذلك الوقت إلى فرض حظر على الهجرة اليهودية ووقف تجنيس المقيمين الدائمين من اليهود في جنوب إفريقيا، كما تم حظر بعض المهن على اليهود. وبعد الحرب العالمية الثانية، بدأ وضع اليهود في التحسن في جنوب إفريقيا وذلك بعد أن وضعت أولى أسس الصهيونية، والذي أدى إلى أن العديد من السياسيين الأفارقة اعتذروا للجالية اليهودية على تصرفاتهم السابقة المعادية للسامية وأكدوا أنهم يدعمون اليهود والصهيونية، وخلال ذلك الوقت تزايدت الهجرة اليهودية إلى جنوب إفريقيا. 

وفي عام 1953، أصبح رئيس وزراء جنوب إفريقيا، دي إف مالان، أول رئيس حكومة أجنبي يزور إسرائيل على الرغم من أن الزيارة كانت "زيارة خاصة" وليست زيارة رسمية. ومنذ ذلك الوقت أصبحت العلاقات بين إسرائيل وجنوب إفريقيا وطيدة للغاية. وكانت الجالية اليهودية من الجاليات الداعمة لمبادئ الصهيونية، حيث سُمح لليهود في جنوب إفريقيا بجمع مبالغ ضخمة من المال ليتم إرسالها كمساعدات رسمية لإسرائيل، ولذلك كان اليهود الإفريقيين أكثر الصهاينة الداعمين ماديًا لإسرائيل. 

مع دعوات الصهيونية بالعودة إلى فلسطين، عاد بعض من الجالية اليهودية الجنوب إفريقية إلى إسرائيل، وشكلوا جماعة جنوب إفريقيا في إسرائيل، ولعل أشهر مجتمع جنوب إفريقي تأسس في إسرائيل هو "سافيون"، الذي لا يزال أغنى ضاحية في إسرائيل، وتم بناء المنازل هناك على نفس النمط المنازل الموجودة في جنوب إفريقيا. 

وبعد حرب أكتوبر، انقطعت العلاقات بين جنوب إفريقيا وإسرائيل وبدأت تل أبيب في توطيد علاقتها مع دول أخرى منعزلة. وفي منتصف السبعينيات، توطدت العلاقات مرة أخرى بين إسرائيل وجنوب إفريقيا، وخلال ذلك الوقت تم توقيع اتفاقية إسرائيل وجنوب إفريقيا لزيادة التعاون الاقتصادي بين البلدين، بما في ذلك بناء خط سكة حديد جديد في إسرائيل، وبناء محطة تحلية المياه في جنوب إفريقيا. وفي عام 1976، دُعي رئيس وزراء جنوب إفريقيا، جون فوستر، لزيارة إسرائيل، حيث التقى برئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين. وفي عام 1977، زار وزير خارجية جنوب إفريقيا بيك بوثا، إسرائيل، لمناقشة قضايا بلاده مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، مناحيم بيغن، ووزير الخارجية، موشيه ديان. 

حاليًا، يُقدر عدد اليهود في جنوب إفريقيا نحو 70 ألف شخص، يعيش معظمهم في مدينتي جوهانسبرج وكيب تاون، بينما تقيم جماعات صغيرة منهم في دربن وبورت إليزابيث وبعض المدن الأخرى. وتذكر وسائل إعلام إسرائيلية أن هؤلاء اليهود يسيطرون على معظم سوق المال والأعمال في جنوب إفريقيا، بشكل لا يتناسب مع نسبتهم من السكّان، كما يقدر أن حوالي 1800 يهودي من جنوب إفريقيا يهاجرون كل سنة إلى إسرائيل وأستراليا وكندا والولايات المتحدة، وعلى رغم ذلك تعد الجالية اليهودية في جنوب إفريقيا هي الأكبر حاليًا في إفريقيا، وتعتبر من أكثر المجتمعات الأرثوذكسية في العالم.

ويعتبر التنظيم والمؤسسية من أهم سمات الطائفة اليهودية في جنوب أفريقيا، وتُعتبر لجنة مبعوثي الطائفة الممثلَ الرسمي ليهود جنوب إفريقيا أمام سلطات الدولة. كما تنشط أيضًا منظمة الفيدرالية الصهيونية "سازف"، بالإضافة إلى منظمات صهيونية أخرى.

يهود بيتا في إثيوبيا 

كان في إثيوبيا طائفة يهودية أخرى تدعى بيتا إسرائيل، وهي الطائفة اليهودية التي عاشت لقرون في المنطقة من مملكة أكسوم القديمة والإمبراطورية الإثيوبية. وهي متواجدة الآن في أمهرة وتيغري ومناطق أخرى من إثيوبيا وإريتريا. وقد هاجر معظمهم إلى إسرائيل في أواخر القرن العشرين.

تاريخيًا، عاش يهود بيتا في إثيوبيا في أكثر من 500 قرية صغيرة وذلك بجانب المسلمين والمسيحيين. وتجدر الإشارة إلى أنه خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، كان مجتمع بيتا إسرائيل معزول تمامًا عن المجتمعات اليهودية الأخرى، حيث عانوا من الاضطهاد الديني وأجبر جزء كبير منهم على اعتناق المسيحية وأصبحوا معروفين بيهود الفلاشا. 

وفي أواخر القرن العشرين، أجرت بيتا إسرائيل العديد من المحادثات بينها وبين المجتمعات اليهودية الأخرى، وذلك لجعل الحاخامات اليهود يعترفوا بأنهم من اليهود، وبعد فترة قرر المسؤولون الإسرائيليون اعتبار يهود بيتا من اليهود الإسرائيليين وأنه يُمكنهم العودة إلى إسرائيل، ولذلك شنت تل أبيب حملة مع الحكومة الأمريكية لنقل يهود بيتا إلى إسرائيل للعيش بها والاعتراف بهم كمواطنين إسرائيليين لهم حقوق. 

وبحلول نهاية 2008، كان هناك 119 ألف و300 شخص من أصل إثيوبي في إسرائيل. وتكونت الجالية الإثيوبية في إسرائيل التي كانت معظمها من بيتا إسرائيل، والذين انضموا إلى يهود الفلاشا الذين عادوا إلى ديانتهم اليهودية فور وصولهم إلى إسرائيل.  

يهود الفلاشا

هم يهود اجبروا على اعتناق المسيحية بسبب الحُكام المسيحيين الذين اعتبروهم منبوذين وتعرضوا وقتها للاضطهاد وكان يمنع عنهم امتلاك الأراضي، كما كان ينظر إليهم الأثيوبيين على أنهم ليسوا أنقياء، ولذلك اعتنق بعض اليهود الدين المسيحي لضمان حياة أفضل في إثيوبيا، لكنهم ارتدوا عنه فور وصولهم إلى إسرائيل، وكانت الحكومة الإسرائيلية تتضهدهم ولا تعترف بهم كمجتمع إسرائيلي وكانت ترفض عودتهم من إثيوبيا إلى إسرائيل، ولكن عام 2003 اعترفت بعودتهم وطبقت عليهم قانون الحق في الهجرة إلى إسرائيل شريطة التخلي عن ديانتهم والعودة إلى الديانة اليهودية. 

ويبلغ عدد يهود الفلاشا في إسرائيل أكثر من 170 ألف نسمة، ويعتبروا أنفسهم من نسل الأسباط العشرة المفقودة. ويشكل يهود الفلاشا 1.8% من سكان إسرائيل. ومن الجدير بالذكر أن 51.7% من أسر الفلاشا فقراء في مقابل نسبة فقر تتراوح بين 21.8% و29.8% في أوساط باقي السكان العرب أو اليهود، بحسب معطيات مكتب الإحصاء الإسرائيلي. 

وفي 29 أكتوبر 2012، أطلقت عملية "أجنحة الحمامة" لإتمام هجرة هذه الجماعة، بعدها انتهت هذه العملية تمامًا في أكتوبر عام 2013، في إطار هجرة حوالي خمسة آلاف شخص إلى إسرائيل. ومازالت هذه الجماعة تواجه اضطهاد كبير من الحكومة الإسرائيلية؛ ففي 2015 قام العديد من يهود الفلاشا بمظاهرات في مختلف المدن الإسرائيلية احتجاجًا على اعتداء رجل شرطة إسرائيلي على جندي إثيوبي.

وقام المحتجون برفع لافتات في تل أبيب تندد بالعنصرية وتدعو إلى المساواة والاعتراف بهم ودمجهم في المجتمع الإسرائيلي، وقد تحولت المظاهرات إلى مواجهة عنيفة بين قوات الجيش الإسرائيلي وبين المتظاهرين، حيث قام جيش الاحتلال بالرد على المظاهرات بقنابل مسيلة للدموع وقنابل صوت، في حين رد المتظاهرين برجمهم بالحجارة.

وفي عام 2019، قامت مظاهرات أخرى في تل أبيب بسبب مقتل إثيوبي، يدعى سالمون تيكا على يد شرطي إسرائيلي، مما أثار غضب يهود الفلاشا الذين اعتبروا أنفسهم من اليهود المنبوذين واتهموا الحكومة الإسرائيلية بممارسة العنصرية اتجاههم. 

كما أن يهود الفلاشا لا يتمتعون بنفس حقوق التعليم والوظائف فى المجتمع الإسرائيلي، ووفقًا لمركز بحوث اجتماعية، فإن نسبة دخل اليهودى من أصل إثيوبى تقل بنسبة تقارب 40% من اليهودى الإسرائيلى الذى يتمتع أيضًا بمزايا وظيفية فى مناصب أفضل، بينما غالبية يهود الفلاشا يزاولون أعمالا منخفضة الأجر لا تحتاج إلى تأهيل علمي مثل أعمال النظافة وقطاع الأغذية.



التعليقات