الثلاثاء , 28 يناير 2020
اخر الأخبار

دراسات


12 يناير 2020 4:59 م
-
تركيا تتوغل في فلسطين بمساعدة إسرائيل.. دراسة تكشف التفاصيل

تركيا تتوغل في فلسطين بمساعدة إسرائيل.. دراسة تكشف التفاصيل

المقدمة

منذ عام 2016 يتبنى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سياسة استعمارية يعكف على تنفيذها داخل الأراضي العربية، بهدف إعادة أمجاد الخلافة العثمانية من جديد تحت قيادته، ظهر ذلك الأمر جليًا من خلال العمليات العسكرية النوعية التي نفذها في شمال شرق سوريا حيث عمليات نبع السلام ودرع الفرات وغصن الزيتون، والتي نتج عنهما احتلال الجيش التركي لدول الجوار وبناء معالم ثقافية وتعليمية في المدن السورية، لاسيما في محافظة إدلب، وبدء تعميم اللغة التركية كلغة أولى عوضًا عن اللغة العربية.. لم يقتصر الأمر عند هذا الحد بل لوحظ مؤخرًا خلال العامين الماضيين نشاطًا تركيًا ملحوظًا داخل مناطق النفوذ الفلسطينية في الضفة الغربية (رام الله) وقطاع غزة وبعض مناطق القدس الشرقية التي يسيطر عليها العرب.

تمتد جهود تركيا لاستعادة مجد الامبراطورية العثُمانية إلى ماهو أبعد من ذلك بكثير، فبجانب تأثيرها في الضفة الغربية والقُدس الشرقية والحرم القدسي حتى المدن المختلطة (التي تحتوي على عرب ويهود)، إلا أنها تُحيك مؤامرة خبيثة من شأنها توسيع نفوذ الامبراطورية العُثمانية من جديد ومشاركة إسرائيل في احتلالها للأراضي المقدسة.

اقرأ أيضًا: رأس سُليماني.. هدية ترامب لنتنياهو قبل جولة الانتخابات الثالثة

استقطاب تركيا للقيادات الفلسطينية

قبل بضع سنوات قدمت الحكومة التركية لمسؤولي السُلطة الفلسطينية مجموعة وثائق قديمة أطلق عليها القادة الفلسطنيين في الضفة الغربية وقطاع غزة اسم "الكنز" وهو عبارة عن 140 ألف وثيقة من الأرشيف العثماني منسقة في ميكروفيلم تحتوي على مستندات قانونية تكشف أحقية الامبراطورية العُثمانية في الأراضي الفلسطينية في الفترة بين 1517 حتى 1917، الأمر الذي يضرب بالرواية الإسرائيلية التي تدعي ملكية الأراضي الفلسطينية لليهود بعرض الحائط، حيث قرر الفلسطنيون استخدام هذه الوثائق في حربهم ضد إسرائيل وإثبات ادعاءاتهم .

في بادئ الأمر، رفضت الحكومة التركية تسليم السُلطة الفلسطينية النسخة الكاملة من الأرشيف العُثماني، واحتفظت بالميكروفيلم في القنصلية الفلسطينية في العاصمة التركية أنقرة بحجة الخوف من استيلاء الموساد الإسرائيلي على هذه الوثائق في فلسطين، وفي مارس 2019 احتفلت السُلطة الفلسطينية بنقل جزء صغير من الوثائق الأرشيفية إلى بيت لحم، وفي هذا الإطار يقول المُحلل السياسي الإسرائيلي، نداف شراغي، في مقاله بصحيفة يسرائيل هيوم: "لقد راقب مركز مائير أميت المتخصص في الاستخبارات والإرهاب الدولي عملية نقل الوثائق العُثمانية إلى بيت لحم، ولكن على الرغم من امتلاك الفلسطنيين للوثائق العثمانية إلا أنهم لم يتقدموا بها أو يظهروها للنور بجانب أنهم يستطيعون من خلالها أيضًا ضرب سوق العقارات الإسرائيلي".

يقول سعيد الحاج الباحث الفلسطيني والخبير في الشأن التركي في تقريره الذي أصدره عام 2015، أن تركيا تُطلِّق مشروعًا عملاقًا في مناطق النفوذ الفلسطيني فيما يُعرَّف باسم " المنتدى التركي الفلسطيني"، وكجزء من صفقة إنشاء المنتدى كان هناك بند ينص على إطلاع الجانب الفلسطيني على بعضِ من الوثائق التي تتعلق بكذب ادعاءات إسرائيل في امتلاكها للأراضي الفلسطينية، وبالتالي يستطيع الفلسطنيون رفع مئات الدعاوي للمطالبة بالحقوق في الأراضي المنهوبة.

اقرأ أيضًا: محلل إسرائيلي يبرر فشل الموساد في اغتيال سليماني

تغلغل تركي في الأراضي الفلسطينية

يمتلك رئيس هيئة تسوية الأراضي الفلسطينية القاضي، موسى شكارنة، علاقاتً قويةً مع المسؤولين الأتراك، حيث إنه يقوم بتسجيل جميع أراضي الفلسطنيين في الطابو (سندات قانونية فلسطينية) لصالح الضفة الغربية، وعلى الرغم من ذلك يخشى الكثير من الفلسطنيين من الإقدام على تسجيل أراضيهم في الطابو خشية من استغلال الاحتلال الإسرائيلي لذلك الأمر ويتم السيطرة عليها بالقوة، حيث عندما يقدم الاحتلال على مصادرة أراضي العائلات الفلسطينية يطلب سندات الملكية من أصحابها، ودعى شكارنة مرارًا الفلسطنيين في الخارج بتسجيل أراضيهم في الضفة الغربية من أجل "حق العودة" على الرغم من الإقبال الضعيف بحسب ما ورد في وكالة وفا الفلسطينية.

يقول شارغي: "شارك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالتعاون مع مسؤولين من منظمة التنمية التركية التي تُعرف باسم تيكا في تمويل عمليات التسجيل في الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، حيث تستثمر المنظمة مبلغ 1.3 مليون دولار سنويًا"

قرر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يحمل أيدولوجية الإسلام السياسي التابعة لتنظيم الإخوان المسلمين، والذي يعتبر نفسه مؤسسًا الخلافة العُثمانية الحديثة، وضع حجر أساس الخلافة في قلب القدس، حيث تبين ذلك الأمر من خلال الإجراءات التي اتخذها، كان أولها هو الترويج للثقافة العثمانية التركية في القدس والضفة الغربية، وذلك من خلال الأحداث الثقافية والتبرعات الخيرية، حيث أطلق دعوة تُعرَّف باسم "الجهاد الهادئ"، وهي عبارة عن نشاط يركز على الأعمال الخيرية والتعليم والتنمية الاجتماعية بحجة تقريب الناس من الله والإسلام، وظهر النشطاء التابعين للمنظمات التركية في العديد من الفعاليات الثقافية

وأردف شارغي بمقاله في صحيفة يسرائيل هيوم: "تم رصد نشاط هذه الجماعات منذ عامين ونصف تقريبًا، ومعظمهم لا زالو نشطاء حتى يومنا هذا من خلال فعاليات المركز الثقافي التركي الذي يركز على تطوير الثقافة التركية في المناطق التي كانت تسيطر عليها الخلافة العثمانية حتى عام 1917".

منذ بضعة أسابيع وقَّع المركز الثقافي التركي اتفاقية تعاون مع وزارة الأوقاف الإسلامية في القدس، يوفر المركز بموجبها التمويل الكامل لدعم برامج اللغة التركية في مدارس القدس الشرقية والضفة الغربية وجامعات القدس، وحضر حفل التوقيع الشيخ عكرمة سعيد صبري، ويُعد الشيخ صبري من أعضاء تنظيم الإخوان المسلمين الإرهابي وفي عام 2018 منحه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ميدالية "المدافع عن القدس".

وصل النفوذ التركي في بسط سيطرته إلى المناطق المختلطة أيضًا التي تجمع بين العرب واليهود، مثل مدن عكا والرملة واللد، ففي الرملة حاول الأتراك شراء المسجد الأبيض وتوثيق العلاقات مع الآئمة في المساجد، وفي اللد طورت تركيا مسجد العمري بمبلغ حوالي 180 ألف دولار بواسطة منظمة تركية غير حكومية تٌعرَّف باسم "يدًا بيد" أُسست في عام 2012.

وذكر نداف شارغي في مقاله، أنه منذ إنشاء منظمة "يدًا بيد" تولت مسؤولية إعادة بناء المساجد والمقابر الإسلامية على الطراز العثماني، ومولت رواتب عشرات الآئمة في مناطق نفوذ الفلسطنيين، وتم ترميم 130 منزلًا في القدس الشرقية بأموالًا تركية،كما أنه تم تخصيص حوالي 4300 منزل و 70 مسجدًا في القدس الشرقية لإعادة ترميمهم بتمويلٍ من المنظمات غير الحكومية التركية.

اقرأ أيضًا: صور| مراسم جنازة السُلطان الراحل قابوس بن سعيد

العلاقات الثقافية التركية الإسرائيلية

قبل عام 2008 كانت العلاقات التركية الإسرائيلية في أوج ازدهارها لاسيما في المجال الثقافي والتبادل التجاري، وكمثالًا على النشاط الثقافي التركي الإسرائيلي، وقع السياسي اليميني الإسرائيلي رحبعام زئيفي والذي كان يشغل منصبًا وزير السياحة الإسرائيلي، برنامجًا مع الجانب التركي من شأنه تطوير السرايا في يافا والتي كانت مقر الحاكم العثماني، بواسطة مهندسون أتراك وإسرائيليين.

 بعد اغتيال زئيفي في عام 2001 استمر البرنامج واستثمرت تركيا ملايين الدولارات في ترميم المعالم اليهودية، إذ عكفت على ترميم الهيكل التاريخي (قُصف في عام 1948 وظل مهملًا حتى عام 2002)، وبعد ذلك تعاون المهندس المعماري الإسرائيلي، إيال زيف، مع المهندس التركي، حيث كان الأتراك منوطين بإعادة ترميم السرايا من الداخل، حيث قيل وقتذاك "إن هذا المشروع خالٍ من التعصب الديني أو القومي حيث يتم التركيز على ثقافة البناء وإعادة ترميم فقط لا غير.

تواطؤ إسرائيلي متعمد

هناك تواطؤ واضح داخل الحكومة الإسرائيلية لمواجهة التوغل التركي في الضفة الغربية والقدس الشرقية، ففي 8 أكتوبر عام 2019 تقدم وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس بمشروع قانون من شأنه مواجهة التدخل التركي وازدياد نفوذه في الضفة الغربية، وكان القانون مفاده تصنيف جماعة الإخوان المسلمين التي ينتمي إليها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كجماعة إرهابية، وتقويض أنشطة منظمة "تيكا التركية" وإلغاء الوضع الدبلوماسي لرئيسها من خلال رفض التأشيرة الخاصة به، بالإضافة إلى طرد المعلمين الأتراك القادمين على رأس برنامج تعلم اللغة التركية.

إلا أنه على الرغم من ذلك لم يوقع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على قرارات الردع التركي في إشارة واضحة إلى وجود توافق بين الجانب التركي والإسرائيل.

فإسرائيل الدولة التي تواجه أنشطة المقاومة الفلسطينية في الضفة وتفرض الحصار على قطاع غزة من كل حدب وصوب أضحت غير عابئة بالتمويل التركي في مناطق النفوذ الفلسطيني.

هناك العديد من التساؤلات تحوم حول أسباب ظهور وثائق الأرشيف العثماني التي تحتوي على مستندات قانونية خاصة بملكية الأراضي الفلسطينية في الفترة بين 1517-1917 في هذا التوقيت الذي تزامن مع بروز طموحات إعادة الامبراطورية العثمانية من جديد، فلماذا تمنع السُلطات التركية السُلطة الفلسطينية من استخدام هذه الوثائق لتقديمها ضد إسرائيل في الوقت الذي ينهب فيه الاحتلال الإسرائيلي الأراضي الفلسطينية قطعة تلو الأخرى، حيث الاعتراف بالقدس عاصمة إسرائيل وضم المستوطنات في الضفة الغربية.

تتلخص الإجابة في تخطيط الجانب التركي للاستيلاء على المناطق التي تسيطر عليها السُلطة الفلسطينية من خلال استخدام قواعد "الاحتلال الناعم" حيث التوغل الثقافي والإغراء بالتبرعات المالية والأنشطة التعليمية فكان دومًا الثقافة والتعليم هما مفتاح التوغل السياسي والاحتلال الناعم للدول التي تُعاني من الفقر والحصار.

لا ترغب تركيا في إجلاء الاحتلال الإسرائيلي عن الأراضي الفلسطينية، بل العكس ترغب في مشاركته الأرض وتقسيمها، والدليل على ذلك التواطؤ الإسرائيلي المتعمد في مواجهة التوغل التركي حيث نشطت المنظمات التركية بفاعليتها الثقافية في المناطق التي كانت تسيطر عليها الخلافة العثمانية دون تخطي أي حدود من شأنها الإضرار بالأمن الإسرائيلي.



التعليقات