السبت , 28 مارس 2020
اخر الأخبار

دراسات


2 فبراير 2020 1:37 م
-
تركيا وتصعيد العداء ضد مصر.. الأسباب والأدوات

تركيا وتصعيد العداء ضد مصر.. الأسباب والأدوات

كتبت: نهال السيد

مقدمة

دخلت تركيا في صدام مع مصر عقب ثورة 30 يونيو 2013، حيث كانت تركيا تطمح في استعادة أمجاد الدولة العثمانية، بحيث تصبح مصر تابعة لها، إلى جانب تحويل مصر لسوق استهلاكي تصرف خلاله صادراتهم، بواسطة حكم الإخوان الذين كانوا يتقلدون السلطة حينذاك.

إلا أن 30 يونيو جاءت لتفشل كل المخططات التركية، ما جعلها تتخذ ردة فعل عدائية إزاء الجانب المصري عبر عدة صور، حيث بدأت بتوجيه القنوات التركية الخاصة بشن هجمات إعلامية ضد النظام المصري، كما فتحت أبوابها لاستضافة فلول الإخوان ممن وجهت إليهم تهم الإضرار بأمن مصر وسيادتها.

وأيضا قامت بوضع خطط عديدة تستهدف المساس بالأمن القومي المصري، بدءًا من دعم إكمال مشروع سد النهضة، لما لذلك من تأثير سلبي على الأمن المائي، مرورًا بدعم جماعات متطرفة معادية لمصر في السودان من أجل التسبب في توترات على الحدود الجنوبية، وأخيرًا التدخل في ليبيا بغية تهديد أمن الحدود الغربية المصرية، وهذا ما سنتناوله بقدر من التفصيل من خلال تلك الدراسة، وبناء على ذلك ستتناول الموضوع عدة محور يمكن إبرازها فيما يلي:

أولا: دوافع وصور الاختراق التركي لملف سد النهضة

ثانيا: آليات التغلغل التركي في السودان لحصار البوابة الجنوبية لمصر

ثالثا: أسباب التدخل التركي الأخير في ليبيا.. وما وراء الاتفاقيات المبرمة مع حكومة السراج

أولاـ  دوافع وصور الاختراق التركي لملف سد النهضة

يعد الدعم التركي لإثيوبيا من أجل استكمال بناء سد النهضة من أبرز الصور على انتهاج أنقرة توجه عدائي إزاء القاهرة، ويرجع ذلك لما سيخلفه بناء السد وملئه من انعكاسات سلبية على الاقتصاد المصري من جهة، والأمن المائي من جهة أخرى.

1ـ عواقب بناء السد

يؤدي استكمال السد إلى تقليص المساحات الزراعية في مصر بنسبة 25%، حيث سيؤثر تخزين المياه وتشغيل السد على التدفقات المائية، وإنتاج الكهرباء للسدود والخزانات في كل من مصر والسودان، وتكمن المشكلة الأكبر في حالة البدء في ملء السد خلال فترة الجفاف، حيث سينخفض منسوب المياه بشكل كبير، وبالتالي انخفاض معدلات الإنتاج الزراعي بما يعادل 42 مليار دولار خلال فترة التخزين، ما يعني ازدياد معادلات البطالة لاسيما في ظل اعتماد نسبة كبيرة من العمالة المصرية على القطاع الزراعي.

ومن جهة أخرى تتفاقم التهديدات المتعلقة بالأمن المائي، فوفقا لإحصائيات رسمية يبلغ نصيب الفرد من المياه حوالي 570 متر مكعب سنويًا، في حين يتوقع خبراء أن ينخفض نصيب الفرد بحيث سيبلغ 500 متر مكعب بحلول عام 2025، وبناء على ذلك ستفقد مصر كهرباء بقيمة 300 مليون دولار سنويا.

2ـ صور التحرك التركي ضد مصر

تلعب تركيا منذ 2011 على رغبة إثيوبيا في الانفتاح على العامل الخارجي، لاسيما بعد حالة الانغلاق التي تعرضت لها نتيجة الأزمات الداخلية والإقليمية وكذلك الخلافات العرقية ، لذلك عمد إردوغان على تقديم بلاده باعتبارها الداعم الأول لأديس أبابا.

وبناءً على ذلك تعددت صور التحرك التركي داخل إثيوبيا لاسيما فيما يتعلق بملف سد النهضة، وكان هذا التحرك مدفوع بعدة أهداف لعل أبرزها المنطلقات الفكرية للحزب الحاكم "العدالة والتنمية"، الذي ينظر لتركيا باعتبارها دولة مركزية وليست ضمن دول الهامش، ما يفرض عليها أن يكون لها بصمات  في كافة الدول، وأن تكون سياستها الخارجية أكثر فاعلية.

ترى تركيا أن السيطرة على إثيوبيا تضمن لها دور محوري في المنطقة، نظرا للأهمية الإستراتيجية التي تحتلها إثيوبيا، حيث تتحكم في منابع النيل الأزرق الذي يشكل قرابة 80% من إجمالي مياه نهر النيل، ما يجعل دول حوض النيل البالغ عددهم 11 دولة مرهونين بموقف اديس أبابا من بناء السدود.

لذلك خططت تركيا لوضع موطئ قدم لها بشتى السبل، فعلى الصعيد الدبلوماسي نجد قيامها برفع مستوى التمثيل إلى أعلى درجاته كما قام إردوغان بزيارة لإثيوبيا عام 2015، أسفرت عن توقيع العديد من اتفاقيات التعاون والشراكة الإستراتيجية.

وعلى الصعيد الاقتصادي تمثل إثيوبيا لتركيا سوق اقتصادي واعد، وبناء على ذلك أصبحت تركيا المستثمر الأول بها.

أما فيما يتعلق بالقوى الناعمة، فقد بدأت أنقرة اللعب على وتر العلاقات التاريخية بين الدولة العثمانية وبلاد الحبشة، والزعم بوجود علاقات وطيدة بين السلطان عبد الحميد الثاني، والإمبراطور الإثيوبي منليك منذ عام 1896، ومن ناحية أخرى فقد حرصت تركيا على إنشاء العديد من المراكز الثقافية وتعليم اللغة في العديد من المدن الإثيوبية، كما قدمت العديد من البعثات التعليمية للطلاب الإثيوبين، وبذلك أصبح لتركيا يد طولا داخل إثيوبيا، تمكنها من فرض إملاءات على السلطات الإثيوبية في العديد من الملفات يأتي على رأسها ملف سد النهضة.

ليواصل بذلك إردوغان مكايدته لمصر، بعدما أعلن دعم أنقرة لمشروع سد النهضة، فيما أفادت تصريحات من قبل المتحدث الرسمي باسم جبهة تحرير الأورومو الإثيوبية، أكد خلالها أن أنقرة تساهم في مشروع بناء سد النهضة، وتمد الحكومة الإثيوبية بالمعدات والأموال اللازمة لضمان نجاح المشروع. بل عمدت أنقرة على تشجيع أديس أبابا على المضي قدمًا من أجل استئناف السد رغم اعتراض القاهرة على بعض الأمور الفنية الخاصة بإجراءات ملء الخزان, وبذلك وجد إردوغان ملف سد النهضة فرصة سانحة للنكاية بمصر.

وكان دور تركيا بارز في تعقيد مفاوضات سد النهضة عبر الضغط على إثيوبيا بأدواتها المختلفة، والإصرار على استئناف المشروع، لما لذلك من ضرر بالغ على الأمن المائي المصري.

اقرأ أيضا: تركيا تتوغل في فلسطين بمساعدة إسرائيل.. دراسة تكشف التفاصيل

ثانياـ آليات التغلغل التركي في السودان لحصار البوابة الجنوبية لمصر

تحرص تركيا على محاصرة مصر من كافة الجهات، وهو ما يستدل عليه من التواجد التركي في دولة السودان، عبر القطاعات المختلفة سواء الاقتصادية أو الثقافية والعسكرية، فالدافع وراء هذا التواجد ليس كما يدعي الأتراك برغبتهم في توطيد أواصر العلاقات بالدول الإسلامية، لكن الحقيقة أنها ترغب بشدة في محاصرة كافة البوابات المصرية، والتأثير على مصادر ضمان الأمن القومي المصري كما سبق وأشرنا في المحور الخاص بملف سد النهضة.

1ـ الأداة الاقتصادية

فعلى الصعيد الاقتصادي نجد تبني تركيا سياسة وضع اليد على أجود الأراضي الزراعية السودانية، ويستدل على ذلك من الاتفاقيات التي وقعتها الحكومة التركية مع نظيرتها السودانية وقضت بالانتفاع بالأراضي السودانية لمدة 99 عام، واستغلالها في تنفيذ مشروعات استثمارية في حين لا يمنح السودانيون سوى الفتات.

ففي عام 2016 وقعت تركيا على أكثر من 20 اتفاقية اقتصادية بإجمالي 650 مليون دولار، وكان تقرير صادر عن مؤسسة How to made it in Africa   كشف عن النوايا الخبيثة لتركيا، حيث أفاد التقرير بأنه مع انتهاء العقوبات المفروضة على السودان في 2017، نظرًا لارتكاب البشير جرائم قتل جماعي، أصبحت السودان مشاع لأي دولة، بل وصارت بمثابة فرصة سانحة لتكثيف الاستثمار فيها، وهو ما استغلته تركيا لتطويق البوابة الجنوبية لمصر، حيث سيصبح القرار السوداني مرتبط بقبول الحكومة التركية له، ما يعني تضييق الخناق على مصر في الكثير من ملفاتها الثنائية مع الجانب السوداني.

2ـ الأداة الثقافية

لم يقتصر الوضع عند هذا الحد بل حرص إردوغان على تكوين جيل سودني جديد تتوافق أفكاره مع السياسة التركية بما في ذلك عدائها لمصر وبناءً على ذلك، جاءت فكرة تأسيس المركز الثقافي التركي يونس إمرة، حيث يعتبر أكثر المراكز الدولية انتشارًا في أفريقيا، وتتمحور المهمة الرئيسية للمركز حول ترسيخ المعتقدات والثوابت التركية لدى النشء الجديد، في حين كشفت العديد من التقارير أن هذا المركز قام بإصدار العديد من الأفكار المتطرفة لاستمالة الشباب ناحية مشروع الخلافة، وتبني أفكار عدائية تجاه مصر، في حين ينظم المركز ندوات ومؤتمرات ثقافية تصب في صالح الأهداف التركية.

3ـ قطاع الأموال الخيرية

تحرص تركيا على استغلال قطاع الأعمال الخيرية عبر تمويلها العديد من المنظمات الخيرية في السودان، وهي بالأساس جماعات إرهابية تهدف لزعزعة استقرار الدولة في مقابل تحقيق المصالح التركية، وقد كان لتلك المنظمات دور رئيسي في بث العداوة بين السودانيين ومصر خلال الفترة التي أعقبت 30 يونيو.

ولا يمكن تجاهل الدور التركي في إشعال الاضطرابات خلال الاحتجاجات السودانية الأخيرة بعد الإطاحة بحكم البشير وتولى المجلس العسكري، حيث حاولت تركيا اتخاذ مسار معاكس لمصر، فبدأت بدعم الجماعات الإرهابية والمتمردة المناهضة للمجلس العسكري، كما حاولت إفشال الجهود المصرية والخليجية في الوصول لنقطة تلاقي بين أطراف النزاع السوداني بغية تحقيق الاستقرار.

ومن هنا يبدو أن المحرك الرئيسي للسياسة التركية يستند إلى المضي في المسارات التي تخالف التوجهات المصرية بغية دحضها وإفشالها، في مقابل صعود تركي بارز حتى لو كان على حساب سيادة الدول واستقرارها.
 
ثالثاـ أسباب التدخل التركي الأخير في ليبيا.. وما وراء الاتفاقيات المبرمة مع حكومة السراج

أثارت الاتفاقيات التي وقعت عليها كل من أنقرة وحكومة فايز السراج في ليبيا، بشأن الدعم الأمني والتعاون البحري، العديد من التساؤلات حول مغزى تلك الاتفاقيات، ودلالة توقيتها، وهل تعتمد تركيا سياسة المساومات مع الجانب المصري، لاسيما وأن ليبيا ليست من الدول التي تمتلك نقاط التماس تتعلق مباشرة بالأمن القومي التركي على غرار ما يحدث في سوريا أو ترتبط حتى بالعمق الجيوسياسي التركي كما في منطقة البلقان.

1ـ الدوافع التركية

تنتهج تركيا الآن إستراتيجية تعميق دورها الإقليمي بدلًا من فكرة الرهان على الوكلاء الأيديولوجيين، لاسيما وأن للوضع في ليبيا خصوصية كبيرة نظرًا لطبيعة الصراع الليبي وتداخله مع قضايا ومصالح تهم تركيا في الشرق الأوسط، حيث تعتبر ليبيا بمثابة معبر للتهديدات المتعلقة بالمنطقتين الشرق أوسطية والأوروبية  خاصة فيما يتعلق بملفات الهجرة أو الإرهاب وغيرها.

وأيضا يأتي الدافع وراء الإنخراط التركي في ليبيا لأمرين أساسيين، أولا تسعى للحفاظ على ما تبقى بشأن نموذجها الأيديولوجي الذي انهار عقب ثورة 30 يونيو، وسقوط حكم الإخوان، ومن ناحية أخرى تمثل ليبيا أرض خصبة لابتزاز الدول الإقليمية لاسيما مصر، فتركيا تسعى للضغط على مصر من خلال هذا الملف نظرًا لما يمثله من أولوية قصوى ومباشرة في تأثيراته على الأمن القومي المصري , وأنقرة تدرك جيدًا الجهود الكثيفة التي بذلتها مصر في هذا الملف.

لذلك قررت الانتقام من مصر لاسيما بعد اكتشافات الغاز التي تمت شرق المتوسط حيث أدت التحركات المصرية في هذا الصدد لعزل جهود تركيا للسيطرة على غاز شرق المتوسط، وذلك عبر بناء تحالفات مع قبرص واليونان عبر منتدى شرق المتوسط.

وبناءً على ذلك سعت أنقرة لتحدث تشابكاتها مع أي نقطة تقرب لدول شرق المتوسط، وكانت الحالة الليبية هي الأنسب، إلا أن تحركات تركيا في هذا الصدد لن تحظى بقبول أو شرعية لاسيما وأن الاتفاقيات الموقعة مع حكومة السراج لا تمتلك أي سند قانوني نظرًا لانتهاكها اتفاق الصخيرات، ومن ناحية أخر يعترض الاتحاد الأوروبي على التحركات التركية وفرض عليها عقوبات في يوليو الماضي بسبب تنقيبها عن الغاز قبالة سواحل قبرص.

2ـ تهديد الحدود الغربية

أكدت تركيا عبر تصريحات لمسؤلين أنها قامت بإرسال قوات عسكرية داخل الأراضي الليبية لمواجهة الجيش الوطني الليبي الذي تدعمه مصر والإمارات والسعودية، وتوالت تقارير إستخباراتية تفيد باستقدام أنقرة، مرتزقة سوريين إلى ليبيا، استعدادا للمواجهة العسكرية مع الجيش الوطني.

ولعل تركيا تسعى من وراء ذلك إلى محاصرة الحدود الغربية المصرية، ومياهها الإقليمية في المتوسط، بل والعمل على تهديد سيادة مصر على حقول الغاز المملوكة التابعة لها في المتوسط.

وبناء على ما سبق نجد أن الاتفاقية العسكرية والبحرية التي وقعتها حكومة السراج مع أنقرة تعكس حجم التخبط الذي يعيشه المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق والمدعوم من عناصر إرهابية، في حين يأتي التموضع العسكري التركي في ليبيا ليكشف عن رغبة قديمة لتركيا من أجل إعادة تموضعها في جهود إعادة إعمار ليبيا مجددًا، إلى جانب استثمارها في النفط الليبي كي تتمكن من تحقيق التوازن لاقتصادها المهزوز، ومن ناحية أخرى تسعى لزرع القلاقل مع مصر عبر دعم الميليشيات الإرهابية والاقتراب بهم من الحدود الغربية من أجل إرباك القاهرة.



التعليقات