السبت , 19 سبتمبر 2020
اخر الأخبار

دراسات


26 يناير 2020 6:07 م
-
الإمارات ودورها في نشر السلام بمنطقة القرن الأفريقي

الإمارات ودورها في نشر السلام بمنطقة القرن الأفريقي

كتبت: نهال السيد

تحتل دولة الإمارات العربية المتحدة مكانة دولية وإقليمية بالغة الأهمية، دفعت بها لأن تكون ضمن الفواعل الأكثر تأثيرًا في العديد من مناطق العالم، لعل أبرزها منطقة القرن الأفريقي؛ لما لها من وضع استراتيجي أكثر خصوصية، أهلَّها لأن تكون مرتكز اهتمام العديد من القوى الدولية.

جدير بالذكر أن الدور الإماراتي لم يكن مقتصر على الجانب الإغاثي والإنساني فحسب، لكنه  امتد ليشمل عمليات التهدئة وتحقيق السلم والأمن في العديد من مناطق التوتر الأفريقية، يمكن الاستدلال عليه من دورها الرائد في  دفع كل من أديس أبابا وأسمرة للوصول إلى تسوية لأزمتهما العالقة منذ ما يقرب من ثلاثة عقود.

ومن ناحية أخرى تنظر الإمارات إلى استقرار منطقة القرن الإفريقي باعتباره أمر بالغ الأهمية، ويعتبر من الأهداف الاستراتيجية نظرًا لتأثيره المباشر على أمن منطقة الخليج، لذلك بذلت القيادة الاماراتية جهود حثيثة لتحقيق هذا الهدف، سواء عبر دعم مفاوضات الأطراف المختلفة لتحقيق الأمن والاستقرار، كما حدث في رعاية الامارات لمفاوضات السلام بين إريتريا وإثيوبيا، أو عبر ضخ استثمارات في بعض دول القرن للدفع باقتصادياتها.

اقرأ أيضا: الحرس الثوري في القرن الأفريقي والهدف الخليج العربي

ويعزز من ذلك تصريحات وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتية أنور قرقاش، الذي أوضح خلالها أن الإمارات تحاول بالتعاون مع المملكة العربية السعودية العمل على تحقيق الأمن والاستقرار ومكافحة التطرف وتحقيق التنمية بمنطقة القرن الأفريقي بشتى السبل، وقبل المضي في استيضاح أبرز الجهود الإماراتية في القرن الإفريقي، دعنا ننظر إلى الأهمية الإستراتيجية لتلك المنطقة.

أبرز ما يميز منطقة القرن الإفريقي.. موقعها وثرواتها

تقع منطقة القرن الأفريقي شرق القارة، وتضم  جغرافيًا كل من (الصومال، جيبوتي، إثيوبيا، إريتريا، كينيا، أوغندا، السودان)، وتكتسب المنطقة أهميتها من موقعها  الإستراتيجي المطل على البحر الأحمر والمحيط الهندي؛ ومن ثم تحكمها بشكل رئيسي في الملاحة البحرية التي تمر عبر مضيق باب المندب، لاسيما تلك المتعلقة بالتجارة النفطية القادمة من الخليج إلى أوروبا، وهو ما جعلها مقصد اهتمام العديد من القوى والفواعل الدولية.

ويستدل على ذلك من رصد إجمالي القواعد العسكرية الأجنبية المنتشرة بدول المنطقة، إلى جانب تمركز الاستثمارات، أبرزها الخليجية بشكل كبير في دول القرن الأفريقي، وقد عزز من ذلك ما تمتلكه المنطقة من موارد طبيعية  سواء نفطية، أو معادن نفيسة.

فيما يمكن إيعاز الأهمية الإستراتيجية لتلك المنطقة من حيث جغرافيتها إلى كونها تقع ضمن إقليم أصبح يعرف بإسم "قوس الأزمة"، والذي يضم دول القرن الأفريقي وشبه الجزيرة العربية، وقد تبلورت أهمية تلك المنطقة منذ انطلاق "عاصفة الحزم" لتطويق تمددات الأذرع الإيرانية، إلى جانب مواجهة تطرف الجماعات الراديكالية شرق القارة، والتي يمتد تأثيرها إلى شبه الجزيرة العربية.

ومن هنا تبلورت الأهمية الإستراتيجية للمنطقة بحكم مقوماتها الطبيعية والجغرافية, وكانت الإمارات أبرز الفواعل الدولية التي كانت بصماتها واضحة سواء على المستوى التنموي أو على مستوى تحقيق السلم هناك.

محركات التواجد الإماراتي بالمنطقة

تتعدد دوافع ومحركات التوجه الإماراتي ناحية القرن الأفريقي، لاسيما في ظل الطفرة التي شهدتها دولة الإمارات والتي أصبحت تمثل دافعًا نحو مزيد من الانفتاح على الخارج، من أجل الاستجابة للمسارات التنموية الجديدة. إلى جانب التطورات الأمنية في شبه الجزيرة العربية.

تعتبر ظاهرة الإرهاب أبرز محركات التوجه الإماراتي تجاه المنطقة، لاسيما في ظل تنامي ظهور الجماعات الراديكالية شرق القارة كجماعة شباب المجاهدين في الصومال، إلى جانب تصاعد أعمال القرصنة البحرية ما من شأنه تهديد حركة الملاحة البحرية، والتأثير على استقرار الاستثمارات الإماراتية بالقرن الأفريقي وهو ما دفع الإمارات لتكثيف تعاونها الأمني مع دول المنطقة على مختلف المستويات.

ومن ناحية أخرى سعت الإمارات لمنع وصول التمويلات للتنظيمات الإرهابية الساعية لزعزعة استقرار دول القرن، لما لذلك من انعكاسات سلبية على أمن الخليج العربي كافة. ومن هنا بدأت الإمارات رحلة تطويق التهديدات الإيرانية، وذلك عبر استخدام الموانيء البحرية الإماراتية بمنطقة القرن لتحقق مزيد من السيطرة على الملاحة البحرية، وتزويد التحالف العربي بالمؤن الغذائية والنفطية، لذلك كانت عاصفة الحزم، من أبرز دوافع التحول الإماراتي تجاه منطقة القرن الأفريقي.

ومن ناحية أخرى نجد أن  جغرافيا القرن الأفريقي، دفعت الإمارات أيضا لإعادة هيكلة سياساتها الخارجية نحو مزيد من تكثيف العلاقات، وأواصر التعاون مع دول القرن، لتأمين الممرات البحرية من أجل نقل صادرات النفط الخاصة بها، وهو ما دفعها للإشراف على العديد من الموانئ البحرية، كعصب في اريتريا،  وبربرة في الصومال.

وفي ظل الانفتاح متعدد المستويات الذي شهدته السياسة الخارجية الإماراتية، أصبحت مساعيها الآن منصبة نحو تنويع شبكة حلفاءها، ونظرًا لأن القارة الأفريقية عموما تمثل الكتلة التصويتية الثانية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، في الوقت الذي تشكل فيه دول القرن الأفريقي ثقلًا إقليميًا حقيقيًا، أصبح التوجه الإماراتي أكثر بروزًا في دول شرق أفريقيا، وهو ما يستدل عليه من معدلات التعاون بين الإمارات ودول المنطقة.

دلالات التواجد الإماراتي

تتعدد مستويات التواجد الإماراتي  بمنطقة القرن الأفريقي، سواء سياسيًا،اقتصاديًا، أو أمنيًا، ومع ذلك تظل المساهمات الإماراتية الأبرز هي تلك المرتبطة بملفات التهدئة، وتسوية قضايا السلم، لاسيما  جهودها في الملف الخاص بالمصالحة الاريترية ـ الإثيوبية.

حيث نجد أن الإمارات لعبت دورا حيويا في ملف المصالحة الإثيوبية الإريترية، منذ بدء المفاوضات، مرورًا  بالتعقيدات التي أعاقت إتمام المصالحة حتى ما قبل تولي "أبي أحمد" رئاسة الحكومة الإثيوبية نهاية مارس 2018، ووصولاً إلى الاتفاق التاريخي الذي وقعته كلا من أديس منذ عامين، والذي يعد بمثابة تتويج للجهود الدبلوماسية  الإماراتية في هذا الملف.

حيث جاء التوقيع على الاتفاق مباشرة عقب الزيارة التي قام بها ولي عهد أبو ظبي يونيو 2018 إلى أديس أبابا، والتي التقى خلالها رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد،  وقدم خلالها ولي العهد عدة مبادرات لتسوية الأزمة بين إثيوبيا وإريتريا، كما عقد عدد من الاجتماعات السرية بين وفدين إثيوبي وإريتري في قاعدة "عُصب" قبل الإفصاح عن اجتماع رسمي بين الجانبين كانت بمثابة دافع للطرفين من أجل إنهاء خلافتهما.

وكان الدور الإماراتي في إريتريا من أبرز النماذج على مساعيها الحميدة نحو تحقيق الاستقرار بعد أكثر من 20 عام من افتقارها لهذا المعنى، لنجد أنه منذ التوقيع على اتفاق السلام بين اسمرة واديس أبابا تحسنت العلاقات بين الجانبين بل ساهمت الإمارات في دفع اريتريا لتتبوأ مكانة اقليمية مؤثرة في المنطقة، تجلى ذلك في مساعيها خلال عام 2019 في عدد من الملفات وقضايا السلم فضلاً عن مساعيها مع إثيوبيا لإحداث تحولات إقليمية بمنطقة القرن الافريقي عبر إنهاء العداوات وتحقيق حالة من التكامل الاقتصادي والسياسي، تجسد ذلك في انهاء حدة الخلافات مع دول جوار كالصومال، والسودان، وجيبوتي، وهو ما من شأنه الاسهام في تجاوز كافة العواقب والتحديات المهددة لتطور الاقتصاديات.

وبفضل الدور الإماراتي واتفاقيات التمويل التي تم التوقيع عليها بدأت إريتريا تشهد حالة من التعافي في اقتصاداتها بعد ركود دام سنوات ، وذلك في إطار تطوير اقتصادها بتقديم القروض اللازمة لتنفيذ مشاريعها الإنمائية.

وكان للإمارات دور رئيسي في تصفية المشكلات بين أسمرة ودولة السودان والتي شابها توترات كبيرة خلال فترة حكم البشير، ولكن بفضل الجهود والوساطات الإماراتية قام رئيس المجلس العسكري الانتقالي الفريق أول عبدالفتاح البرهان يونيو 2019  بزيارة إلى إريتريا تلبية لدعوة من الرئيس الإريتري، أفضت إلى إعادة فتح الحدود المغلقة بين البلدين منذ 2018، وتوالت الوفود بين الجانبين.

وعلى صعيد الجانب الاقتصادي نجد الإسهامات الإماراتية في البنى التحتية لاريتريا، وذلك عن طريق تجهيز ميناء عصب الذي سيسهم بشكل كبير في زيادة صادرات إثيوبيا ودخلها من العملة الصعبة.

هل من عقبات؟

لا أحد ينكر المساعدات التي قدمتها الدولة الشقيقة، لدول القرن في فترات الركود سواء كانت نتيجة لعوامل طبيعية كالجفاف والتصحر.. إلخ، أو نتيجة حروب أهلية، وينعكس ذلك في إجمالي الجمعيات الخيرية التي أسستها الإمارات بدول القرن الإفريقي، كذلك النظر لحجم المعونات التي استقبلتها الصومال رغم فترة الخلاف التي شابت علاقات البلدين.

ومن ناحية أخرى كانت بصمات الإمارات جلية في أزمة السودان الشمالي والجنوبي، حيث استقبل العديد من وفود الطرفين بغية الوصول لحل، وكذلك دورها في حل التوترات الأخيرة في السودان حيث كانت الإمارات ضلع رئيسي في حلها، وتحقيق استقرار السودان الشقيق.

ولكن رغم الدور الفاعل لدولة الإمارات العربية المتحدة بمنطقة القرن الأفريقي، إلا أن هذا الدور  لا يخلو من العقبات والتحديات يمكن الاستدلال عليه من تطورات الأوضاع الأخيرة ما بين "شركة موانئ دبي العالمية"، وحكومة جيبوتي بعدما شرعت حكومة الأخيرة في بناء منطقة تجارة حرة  بالقرب من ميناء دوارلية الذي تشرف عليه الإمارات، ما أدى لتوترات بين الجانبين مؤخرًا.

فضلا عن التوترات السابقة التي نشبت بين الجانبين الإماراتي والصومالي على خلفية احتجاز طائرة إماراتية بمطار مقديشو، وبالبحث في تلك التطورات يتضح لنا بصمات لقوى إقليمية ليست من مصلحتها أن تمضي العلاقات الإماراتية مع دول القرن الأفريقي في مسارها السليم ، وهو ما يحتم على القيادة الإماراتية الحكيمة ضرورة الانتباه لهذا التطور.

وأخيرا فرغم ما يثار من إشاعات تحاول خلالها بعض الدول تشويه  أهداف الدور الإماراتي بمنطقة القرن الأفريقي، إلا أن بصمات دولة الإمارات العربية سواء التنموية أو الأمنية واضحة للجميع، لا أحد يستطيع إنكارها أو طمسها، وستحمل الفترة المقبلة مزيد من التحركات الإماراتية في هذا المسار لدحض كافة الافتراءات والادعاءات الموجهة لدورها الفاعل في تحقيق مزيد من الاستقرار شرق القارة السمراء.



التعليقات