السبت , 19 سبتمبر 2020
اخر الأخبار

دراسات


28 يناير 2020 6:37 م
-
المهمة الصعبة.. دراسة تكشف أسباب توسط مصر في المفاوضات بين حماس وإسرائيل

المهمة الصعبة.. دراسة تكشف أسباب توسط مصر في المفاوضات بين حماس وإسرائيل

كتبت: أمنية حسن

تُعد المباحثات السياسية الدبلوماسية بين مصر وإسرائيل وحركة حماس في قطاع غزة من أعقد المفاوضات في تاريخ المنطقة، وذلك نظرًا للاختلاف الأيديولوجي الذي يجمع بين الأطراف الثلاثة، ومحاولة مصر البائسة في التوفيق بين حماس وإسرائيل من أجل وقف إطلاق النيران في أعقاب جولات التصعيد التي تندلع من حين لآخر.

تنخرط كل من مصر وإسرائيل وحركة حماس في مفاوضات مستمرة ليس بدافع الحب والإخلاص، ولكن بسبب حتمية وجود الحدود المشتركة والحاجة لكل طرف للحفاظ على مصالحهما وحماية الأمن القومي من موجات الإرهاب العنيفة التي تضرب المنطقة، لذا ففي هذه الفترة عندما يتم نشر شائعات وتصريحاتٍ غامضة حول احتمالية الوصول إلى تهدئة طويلة الأجل بين كل من حماس وإسرائيل فمن الأفضل التحقق أولًا ما إذا كانت مصالح الدول الثلاث تسمح بعقد هذه الهدنة، وما الفوائد التي ستعود إليها.

تعتبر الحدود بين مصر وإسرائيل وقطاع غزة والتي تم إقرارها وفق اتفاقية السلام، من المفترض أن تكون أكثر المناطق الحدودية أمانًا في العالم نظرًا للتعاون بين الأطراف الثلاثة، حيث ساهم إشراف مصر على التفاهمات بين حماس وإسرائيل بواسطة المخابرات العامة المصرية، إلى حد كبير في ردع الكثير من المخاطر التي كان من المحتمل أن تندلع على الحدود، ولكن على الرغم من ذلك، سادت الكثير من التوترات والأزمات نتيجة خروج كل من حماس وإسرائيل عن النص تحقيقًا لمصالحهم.

استراتيجية حماس تجاه مصر

شنت حماس حرب استنزاف طويلة الأمد ضد إسرائيل، منذ استيلائها على قطاع غزة عام 2008 وتولي المنظمة السيادة الكاملة على القطاع، غير أن هذه الحرب تسببت في اتخاذ إسرائيل للعديد من الإجراءات الأمنية من شأنها تعزيز الحصار على قطاع غزة وتقويض قُدراتها العسكرية من خلال الحصار الاقتصادي، حيث الإغلاق البحري، ومنع مرور الشاحنات التجارية إلى داخل غزة، والاقتطاع من الوقود المسؤول عن تزويد القطاع بالكهرباء، ذلك بالإضافة إلى جولات التصعيد العسكري والاجتياح البري.

كان هذا الصراع له تأثير سلبي على مصر بشكلٍ مباشر، وحاولت حماس الخروج من عُزلتها وانتهاك الحصار الاقتصادي من خلال مصر، ولتنفيذ ذلك اخترقت السيادة المصرية عدة مرات.

ولكن على الرغم من مضايقات حركة حماس لمصر، والإجراءات القاسية التي اتخذتها الأخيرة ردًا على انتهاكات قطاع غزة، حيث الإغلاق الجزئي لمعبر رفح الحدودي من جانب مصر، والذي يسمح بمرور الشاحنات التجارية وعبور الأفراد منه إلى الخارج، إلا أن مصر امتنعت عن الدخول في مواجهة عنيفة مع منظمة حماس، وذلك باعتبارها الدولة الراعية للمفاوضات بينها وبين إسرائيل، في الفترة ما قبل 25 يناير 2011.

في عهد الرئيس محمد مرسي عام 2012 ، توطدت العلاقات بين جماعة الإخوان المسلمين (الحزب الحاكم وقتذاك)، مع حركة حماس المنبثقة من عباءة الجماعة، وفي هذه الفترة عملت حماس على توسيع شبكة أنفاقها بين شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة، وبدأت في إدخال العناصر المُسلحة إلى داخل مصر وكذلك تهريب الوقود المصري إلى قطاع غزة عبر الأنفاق، بالإضافة إلى تهريب المخدرات والأسلحة.

والدليل على ذلك، عندما بدأ الجيش المصري في محاربة الإرهاب في سيناء بما يُعرَّف إعلاميًا باسم "العملية الشاملة 2018" لمحاربة الإرهاب، إذ جاءت في بيانات المتحدث العسكري قيام سلاح المهندسين بتدمير الآلاف من الأنفاق التي تربط بين غزة وسيناء على طول الحدود وإحراز كميات كبيرة من الوقود المصري الذي كان يتم تهريبه إلى القطاع.

بدأت حماس في بناء شبكة علاقات قوية داخل سيناء منذ عام 2008، في أعقاب استيلائها على السُلطة في غزة وطرد السُلطة الفلسطينية المتمثلة في حركة فتح.

 في مقاله بمركز القُدس لشؤون العامة والسياسة، قال المحلل العسكري الإسرائيلي تسيفي مزال: "اخترقت حركة حماس بقيادة أيمن نوفل مصر وحاولت إنشاء تنظيم سري بداخل سيناء للعمل ضد إسرائيل من داخل الأراضي المصرية، وتعقبت مصر التنظيم وتم اعتقال معظم أفراده من ضمنهم نوفل وسجنهم وعاد البقية إلى قطاع غزة".

يرى مزال أن الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك كان يتجنب المواجهة المباشرة والرد على انتهاكات حركة حماس للحدود المصرية، والتي كانت بطبيعة الحال تؤثر بالسلب على الأمن القومي الإسرائيلي، وذلك لأن –من وجهة نظره- كان مبارك يرى أن ما يحدث يقع على عاتق إسرائيل بسبب سياسة الحصار الاقتصادي التي تنفذها تجاهها، وهذا التوجه استمرارًا لسياسة السادات التي رفضت السيطرة على قطاع غزة، واعتبرتها جزءً من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الذي يجب على إسرائيل التعامل معه.

العلاقات بين حماس ومصر: تقارب في عهد الإخوان وصراع في عهد السيسي

لعبت حماس دورًا بارزًا في أحداث العنف خلال ثورة 25 يناير عام 2011، وذلك من خلال مشاركة خلايا نائمة تابعة لحركة حماس في مصر في عملياتٍ نوعية تَنُم عن تدريبهم الجيد، وظهر ذلك من خلال العمليات التكتيكية في اقتحام السجون مصرية لإطلاق سراح العناصر الحمساوية المُحتجزة داخل مصر، بما في ذلك الهجوم على سجن المرج شمال القاهرة واقتحام سجن وادي النطرون واستطاعوا إطلاق سراح القيادي أيمن نوفل وسامي شهاب رئيس خلية حزب الله والتي تسللت إلى مصر من أجل تنفيذ هجمات ضد قناة السويس، ولكنها اُعتقلت من قبل الأمن المصري.

بعد سقوط نظام الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، اضطر المجلس العسكري برئاسة المشير حسين طنطاوي إلى التعاون مع جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها القوة السياسية الوحيدة المنظمة داخل البلاد بعد حل الحزب الوطني، قال مزال في مقاله: "في الفترة بين 2011 حتى انتخاب الرئيس مرسي في 2012 نفذت حماس 12 هجومًا إرهابيًا ضد خط أنابيب الغاز الواصل بين مصر وإسرائيل والأردن وهاجمت مراكز الشُرطة المصرية شمال سيناء وذلك من خلال التنظيم الذي أنشأته في سيناء".

بعد فوز مرسي بالرئاسة، استمرت حماس في تطوير شبكة أنفاقها في سيناء، وتحسين علاقتها منظمات الجهاد داخل سيناء، واتهمت وسائل الإعلام المصرية حركة حماس بتنفيذ عملية إرهابية ضد جنود الجيش المصري، مما أسفر عن استشهاد 16 جُنديًا في رفح عام 2012 وخطف آخرين.

 وكان هذا الحادث بمثابة ذريعة لإقالة وزير الدفاع المشير حسين طنطاوي ورئيس الأركان الفريق سامي عنان، وتعيين الفريق عبد الفتاح السيسي وزيرًا للدفاع، اعتقادًا خاطئًا لدى الجماعة بأن السيسي متدين وسيدعم مشروع الجماعة لإقامة دولة إسلامية في مصر ويضمن دعم الجيش لحاجته، ومع تصاعد الإرهاب في سيناء رفض مرسي الموافقة على تنفيذ عملية عسكرية ضد المنظمات الإرهابية داخل سيناء.

تدهورت العلاقات بين مصر وحماس بعد تولي عبد الفتاح السيسي رئاسة البلاد في عام 2014 بعد فترة انتقالية، وحظرت المحاكم المصرية نشاط حماس في البلاد وأمرت بمقاطعة مكاتبها وإعلانها منظمة إرهابية كما حُكم على ثلاثة من عناصر كتائب عز الدين القسام بالإعدام، ولكن بعد شهور أُلغيَّ القرار.

بعد تولي السيسي ركزت مصر بشكل أساسي على القتال ضد تنظيم داعش والذي أخذ في التنامي داخل شمال سيناء، يقول مزال في مقال: "كان هدف السيسي هو فك الارتباط بين حماس والمنظمات الجهادية التي أخذت تتكون وتتأقلم داخل سيناء وتجري عمليات ضد جنود الجيش المصري"، وأضاف أن مصر السيسي استخدمت معبر رفح كوسيلة للضغط على حركة حماس، وإغلاقه وفتحه وفقًا لحالة العلاقات مع مصر، كما كان يُفتح من أجلب تشجيع حماس للوصول إلى هدنة مع إسرائيل أثناء جولات التصعيد.

كما اتخذت مصر إجراءات وقائية ضد غزة منها، ضخ مياه الصرف الصحي بالأنفاق التي تم اكتشافها، وإنشاء منطقة عازلة على طول الحدود يبلغ عُمقها 5 كيلومتر، وأضاف مزال: "بعد سلسلة طويلة من النزاعات أدرك السيسي إلى أن المواجهة المباشرة مع حماس لن تؤدي إلى تعزيز مصالح مصر، وستجعل من الصعب على القاهرة أن تلعب دور الوسيط في حل الخلافات بين حماس وفتح من جهة وبين حماس وإسرائيل من جهة أخرى".

نقطة تحول في العلاقات بين مصر وحماس

كان عام 2017 بمثابة نقطة تحول في العلاقات بين مصر وحماس، حيث استضافت القاهرة زعيم منظمة حماس اسماعيل هنية ويحي سنوار، وانعقد اجتماعات دورية بين قادة المخابرات العامة المصرية وقادة حماس لمناقشة بنود المصالحة مع السُلطة الفلسطينية.

بعد ذلك أعلنت حماس انشقاقها عن جماعة الإخوان المُسلمين، قبلت معظم الشروط التي وضعتها السُلطة الفلسطينية، بما في ذلك نقل الصلاحيات المدنية من قطاع غزة إلى رام الله، وتحديد موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية وتم توقيع الاتفاق في 10 أكتوبر، إلا أن عادت الخلافات من جديد بسبب رفض حماس التخلي عن صلاحيتها الأمنية في قطاع غزة وحل كتائب عز الدين القسَّام، وبسبب التعنت فشل اتفاق القاهرة.

ولكن على الرغم من ذلك وحتى الآن لا زالت العلاقات بين مصر وحركة حماس قيد الملاحظة في حذر شديد بين الطرفين، ولكنها جيدة إلى حد ما.

ففي نوفمبر وفي أعقاب اغتيال بهاء أبو العطا قائد الجناح العسكري لمنظمة الجهاد الإسلامي، نفذت مصر عملية أمنية استطاعت من خلالها إدخال قادة الجهاد الإسلامي وحماس إلى القاهرة خوفًا من استهدافهم من قبل إسرائيل، وبدأت جولة مفاوضات بين المنظمتين وإسرائيل، وذلك بحسب ما ورد في صحيفة "يسرائيل هيوم" المُقربة من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

لماذا تلعب مصر دور الوسيط بين حماس وإسرائيل؟

الوساطة المصرية الفعالة بين حماس وإسرائيل في جميع جولات التصعيد والحرب التي تحدث، تُعبر في المقام الأول عن المصالح المصرية، وذلك لأن القيادة المصرية تخشى من أن العمل العسكري الإسرائيلي الواسع ضد قطاع غزة، قد يؤدي إلى تسلل آلاف الفلسطنيين إلى داخل حدود مصر (سيناء)، وبالتالي يستوطنون المنطقة ويبنون علاقات مع فلول تنظيم داعش.

وفي الوقت نفسه، فمصر ليست مستعدة لإبرام أي نوع من الاتفاقيات مع الفلسطينيين، إذ أكدت القيادة المصرية مرارًا وتكرارًا على عدم نيتها بالتخلي عن أي شبر من أراضيها في سيناء لصالح الفلسطينيين، كما رفضت مصر فكرة بناء ميناء العريش من أجل تسهيل حركة التجارة داخل قطاع غزة.

 قال مزال في مقاله حول استراتيجية مصر في التعامل مع حماس: "ترى مصر علاقاتها مع حماس فقط من حيث أمنها ووضعها في المنطقة العربية، وبالنسبة لها أمن إسرائيل أقل أهمية ويتم التعامل معه من خلال المصالح المصرية".

من وجهة نظر مزال، يرى أن الوساطة المصرية مع حماس تعود على إسرائيل بالنفع، حيث أضاف: " تعتبر الوساطة المصرية مهمة للغاية لأنها تعطينا أهمية استراتيجية للتعاون مع القاهرة في ضوء اتفاقية السلام التي لا تزال قائمة، على التعاون الأمني ​​الذي يركز أساسًا على مكافحة الإرهاب الإسلامي في شمال سيناء"

يُجدر الإشارة إلى أن اتفاقية تصدير الغاز الإسرائيلي إلى مصر من أجل إخضاعه لعملية التسييل، لا تُشجع على التطبيع بقدر كونها مجرد شراكة اقتصادية بين الشركات الإسرائيلية ونظيرتها المصرية دون تقارب شعبي.

الخلاصة

نجحت مصر في تنفيذ سياسة الضغط القصوى على حركة حماس في قطاع غزة من أجل إيقاف أنشطتها الإرهابية ضد الحكومة المصرية، وذلك منذ 2017.

على الرغم من الوساطة المصرية الدائمة بين حماس وإسرائيل، إلا أن القاهرة تتدخل فقط في المسائل التي تُهدد أمنها القومي، سواء سياسيًا أو عسكريًا، ما عدا ذلك تنسحب مصر من المفاوضات، والدليل على ذلك، تحركات مصر شبه المنعدمة فيما يتعلق بمسيرات العودة الفلسطينية وإطلاق البالونات الحارقة، حيث كان تأثير مصر محدودًا، وذلك نتيجة سياستها المعهودة، وهي: أن مصر ليست ملزمة بالدفاع عن الحدود الإسرائيلية طالما لم يضر الأمر بأمن مصر القومي".



التعليقات