الجمعة , 26 فبراير 2021
اخر الأخبار

دراسات


كتب محمد وازن
23 يناير 2021 3:16 م
-
حرب المياه.. من خسر النيل؟

حرب المياه.. من خسر النيل؟

مَن خَسر النيل؟
ألان غريش
مصر عاجزةً عن التحرّك أمام إثيوبيا والسودان · تفاقمت التوترات القائمة بين دول حوض النيل بسبب مشروع إثيوبيا لتشييد سد النهضة على النيل الأزرق. وبينما تخشى مصر تناقصا ملحوظا سيحدث لحصتها من ماء النهر، فهي تبدو غير قادرة على مواجهة مشروع أديس أبابا، الذي يحظى بمساندة السودان.
“مصر هبة النيل”! هذه مقولة للمؤرخ والرحالة الكبير هيرودوتوس، الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد يعرفها جميع الطلاب في جميع أنحاء العالم ممن درسوا تاريخ الفراعنة. وفي القرن الأول قبل الميلاد، نظم الشاعر الروماني تيبولوس قصيدة تبجل النيل قال فيها “الأرض التي ترويها لا تطالب السماء بالماء، والعشب الذي جف لا يتضرع إلى جوبيتير ليوزع مياه الأمطار”
1
ولكن هذه النعمة التي تروي مصر منذ آلاف السنين مهددة اليوم. وفي القاهرة يجمع خبراء ومسؤولون ومفكرون، ودبلوماسيون (طلبوا عدم الكشف عن هويتهم) على أن المعركة التي تخوضها مصر لتبقى مسيطرة على أطول نهر في العالم، معركة متعثرة منذ البدايةً.
عند الانتهاء من سد النهضة العملاق على النيل الأزرق، والمقرر هذا العام، ستصبح لأثيوبيا اليد العليا في قرار تدفق المياه. اعترف لنا مسؤول مصري على مضض: “لقد خسرنا. لم نستطع أن نحول دون تشييد السد، ولم نتمكن من تحصيل التعديلات على المشروع، خصوصاً فيما يتعلق بخفض سعة تخزينه. أملنا الوحيد، والضعيف، هو أن تتم تعبئة بحيرة السد على فترة زمنية تتجاوز الثلاث سنوات التي أعلنت عنها أديس أبابا” إن حدث العكس، فإن البلد سيكون مهدداً بنقص شديد في حصته المائية، ربما بدءاً من العام المقبل. هنا في القاهرة، تتبادل الألسنة من جديد قصة الملك الأثيوبي دويت الثاني الذي هدد سلاطنة المماليك في مطلع القرن الخامس عشر بحجز مياه النيل عنهم.
2
انفجار سكاني
ملف استخدام مياه النيل ملف معقد، تداخله القوانين الدولية (كيف يجب توزيع مياه نهر يعبر عدة بلدان؟)، والتاريخ ( العديد من الاتفاقيات الموقعة)، والخطب الرنانة حول “الحقوق التي لا يمكن التفريط بها” من الطرفين، وموازين القوى بين دول حوض النيل. فلنحاول أن نستعرض المعطيات الأساسية في الخلاف، حتى إن لم يخل الأمر من مخاطرة بتبسيط الموضوع.
ترِدُ مياه نهر النيل من أثيوبيا، حيث ينبع النيل الأزرق، ومن بوروندي، حيث ينبع النيل الأبيض. يلتقي النيلان الأزرق والأبيض في الخرطوم، حيث يزود الأول حوالي 90% من إجمالي مياه النهر. منذ بداية القرن العشرين، أعلنت مصر حقوقها في مياه النهر عبر عدة اتفاقيات، وهي مسألة جد جوهرية نظراً إلى أن البلد يعتمد بنسبة 97% على مياه النيل ، على عكس بعض بلدان حوض النيل الأخرى، مثل أثيوبيا، التي تهطل فيها الأمطار بمعدلات عالية.
في عام 1959، وقعت القاهرة مع السودان، الذي حصل على استقلاله في 1956، اتفاقاً ينظم اقتسام المياه، تحصل مصر بموجبه على 55.5 مليار متر مكعب بينما يحصل السودان على 18,5 مليار، كون العشرة مليارات الباقية من ماء النهر تضيع بالتبخر. ورغم مطالبات دول حوض النيل الأخرى، بقيت الأمور على ما هي عليه حتى التسعينيات، وبقيت مصر مهيمنة على النيل.
تبدو هذه المعطيات الأساسية ظاهرياً مؤكدة وثابتة، إلا أنها تغيرت كثيراً. أولاً، شهدت المنطقة انفجاراً سكانياً، ففي عام 1959 كان عدد سكان مصر 25 مليوناً، وسكان السودان 11 مليوناً، وأثيوبيا 27 مليوناً. وفي عام 2016 بلغ عدد السكان بالترتيب، 95 مليوناً، و40 مليونا ً(دون حساب جنوب السودان الذي استقل في 2011)، و102 مليوناً في اثيوبيا. وعاشت باقي بلدان حوض النيل تضخماً مشابهاً. يضاف على ذلك تكثيف الرعي الذي يؤمن للسودان وأثيوبيا نصف نواتجهما الإجمالية من الزراعة، ويمثل استهلاكا متزايدا للمياه،
3
بينما تنخفض معدلات هطول الأمطار متأثرة بالاحتباس الحراري. وأخيراً، يتسبب التوسع الحضري السريع بتزايد استهلاك المياه. لذا أضحى مورداً أشد ندرة، أغلى ثمناً، في الوقت الذي يتمدد فيه التصحر في القرن الأفريقي.
مشروع سياسي في المقام الأول
في هذه الظروف إذن، أطلقت أثيوبيا مشروعها لتشييد سد النهضة على النيل الأزرق. ليكون أضخم سدّ في أفريقيا بعد أن كان ذلك الموقع محجوزا للسد العالي في أسوان، والذي بنته مصر عام 1960 بمساعدة سوفييتية وأصبح واجهة النظام الناصري. يبلغ ارتفاع سد النهضة، الذي سيسمح بإنتاج 6450 ميغاواط من الكهرباء، 175 مترا، ويبلغ طوله 1800 متر، وسعة تخزينه 67 مليار متر مكعب، أي ما يعادل تقريبا التدفق السنوي للنهر. اتخذت أثيوبيا قرار بناء السد من طرف واحد، وبدأته شركة إيطالية في2013، وقد تم إنجاز ثلثيه وفق تصريحات أديس أبابا.
بالنسبة لهاني رسلان، الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية وأحد المختصين المصريين الرئيسيين في هذا الملف، فإن المشروع الأثيوبي “هو مشروع سياسي قبل كل شيء. يسعى إلى تعزيز اللحمة الوطنية في بلد تحتكر السلطة فيه أقلية صغيرة، وهي التغراي، فتواجه معارضات عديدة، خصوصاً من قبل الأكثرية العرقية، شعب أورومو”لقد خرج هؤلاء بمظاهرات بين نهاية عام 2016 وبداية 2017 بشكل خاص، ولقد اتهمت أديس أبابا مصر حينها بالتحريض على هذا التمرد. تساءل رسلان: “ما الهدف من إنتاج أكثر من 6000 ميغاواط من الكهرباء، في الوقت الذي لا يكاد يبلغ استهلاك أثيوبيا وجميع جيرانها مجموعين 800 ميغاواط؟”
“من وجهة نظر اقتصادية، ومن وجهة نظر بيئية أيضاً، فإن تشييد سلسلة من السدود الصغيرة هو أكثر منطقية” هذا ما أكده لنا خبير غربي. حيث إن عواقب تشييد هذه السدود الضخمة (ليس في أفريقيا وحسب) موضع نقاش منذ زمن طويل. ويذكر الخبير:“تحبس السدود المياه، ولكنها تحبس أيضا طمي الأنهار الذي يزيد خصوبة الأراضي الزراعية”.
ولكن النظام الأثيوبي قد رهن هيبته وسلطته بهذا السد، وحرك جميع موارده الداخلية، وفرض المشاركة الإجبارية على السكان. ولا يبدو أن هناك ما يستطيع إيقافه. “تتصرف أثيوبيا كتركيا” باستغراب قال رسلان كلماته التي لا تحمل أي مديح. فالعلاقات بين البلدين تدهورت منذ وصول عبد الفتاح السيسي إلى السلطة في 2013، لكون رجب طيب أردوغان متهماً بدعم الإخوان المسلمين، ألد أعداء النظام. يشير رسلان إلى مشروع جنوب شرق الأناضول، وسدّ أتاتورك الكبير الذي انضم له حوالي العشرون عملاً هندسياً أقل أهمية والذي جفَف جزئياً نهري الفرات ودجلة وحرم سوريا والعراق من موارد مائية.
4
أمام هذا التصميم الأثيوبي واصطفاف السودان إلى جانب أديس أبابا عجزت مصر عن تبني استراتيجية متسقة، فتأرجحت بين خطاب قومي متعصب (لاسيما عبر وسائل الإعلام التي لا تتوانى عن الاشتعال غضباً من أجل قضية النيل) وتأكيد علني على استعدادها للتعاون لا يعدو كونه ضرباً من الوهم في غالب الأحيان. وهكذا، على هامش اجتماع في قمة الاتحاد الأفريقي في كانون الثاني/يناير 2018، شوهد السيسي محاطاً بالرئيسين السوداني والأثيوبي زاعماً أن كل المشاكل ستحل خلال شهر :“إن مصالحنا واحدة، ونحن نتحدث كدولة واحدة وليس كثلاث دول. انتهت الأزمة، لا يوجد أزمة أصلاً”. وتخلى في الوقت نفسه عن طلب وساطة البنك الدولي الذي اقترحته مصر قبل بضعة أسابيع لتجاوز حالة الجمود في الملف. تم توقيع اتفاق مؤقت بين الدول الثلاث منذ آذار مارس 2015، وافق عليه السيسي رغم اعتراض العديد من المقربين منه، من بينهم مستشارته لشؤون الأمن القومي فايزة أبو النجا. على أي حال، بقي ذلك الاتفاق حبراً على ورق.
في منطقة لا يوجد فيها أي رغبة حقيقية في التعاون، يعطي كل من الأنظمة الثلاثة الأفضلية للخطاب الوطني، وتصطدم مصر بتضاؤل نفوذها، وإن كانت لا تعترف بذلك. هذا ما أشار إليه نبيل عبدالفتاح، وهو بدوره باحث في مركز الأهرام، وخبير بالشأن السوداني :“لقد تقلصت قدراتنا الدبلوماسية في أفريقيا منذ عقود، كنا نتطلع نحو الولايات المتحدة وأوروبا، وأهملنا التحولات العميقة لهذه القارة، لذا يعوزنا باحثون ودبلوماسيون وعسكريون يعرفون أثيوبيا حقاً. لقد عجزنا حتى عن تفعيل الشبكات القبطية للخروج من هذا المأزق، مع أن كنيستي البلدين مرتبطتان بعرى وثيقة”
تماما كالعلاقات الفرنسية-الجزائرية
ماذا عن تحول موقف السودان، الحليف التاريخي لمصر؟ “تاريخ العلاقات بين بلدينا معقد. فلقد احتلت مصر السودان طيلة نصف القرن العشرين، وحصل الأخير على استقلاله ضد إرادتها. لذا فإن العلاقة بين البلدين الجارين ظلت نوعا ما علاقة المحب الكارِه، وهي رابطة تشبه كثيرا تلك التي تنظم العلاقات بين الجزائر وفرنسا”. بعد استقلال السودان في 1956 بقيت العلاقات الإنسانية والاقتصادية وثيقة لوقت طويل. يستطرد نبيل عبد الفتاح: “أهم الكتاب السودانيين، مثال الطيب صالح مؤلف موسم الهجرة إلى الشمال، عاشوا وعملوا في القاهرة”.
ولكن الوقت مر والعلاقة ضعفت. لقد أهملت القاهرة جارها الجنوبي. في 30 حزيران/ يونيو 1989، وصل عمر البشير والإسلاميون إلى سدة الحكم عن طريق انقلاب عسكري، يقول دبلوماسي مصري:“مرت عشرون سنة على استلام هذه السلطة للحكم، ومنذ عشرين سنة تسعى قصارى جهدها إلى قطع العلاقات بين البلدين. فقد أغلقت الجامعات المصرية في السودان وغذَّت العداء لمصر، خصوصاً في أوساط الشباب الذين لم يعيشوا فترة العلاقات. في الواقع هي سلطة من الإخوان المسلمين تريد الانتقام لأحداث عام 2013” “لقد انتشرت سياسة الإقصاء في السودان، فالسلفيون أحكموا قبضتهم على المجتمع، وعلى الشباب، بمساعدة المملكة العربية السعودية في غالب الأحيان” هذا ما شرحه لنا نبيل عبد الفتاح، وإن كان يعترف بوجود عنصرية ضد السودانيين في مصر، وأن بلده كثيراً ما أهمل شؤون التطوير في البلد الجار.
أحد مواضع الخلاف بين البلدين والذي لا تكف الخرطوم عن إثارته، يتعلق بمثلث حلايب الواقع في جنوب شرق مصر، الذي تطالب به السودان منذ استقلالها. قال رسلان ساخطاً “يسمون الأمر بالاحتلال، ويلقبون جيشنا بالمصرائيلي، يقصدون بهذا التعبير الذي يجمع كلمتي مصر واسرائيل تشبيه وجود مصر في حلايب باحتلال إسرائيل لفلسطين. لقد خسروا جنوب السودان لذا يرفعون اليوم راية الحلايب لكي يُنسوا الخسارة”. يأتي هذا في وقت تتبادل فيه العاصمتان تهمة إيواء معارضي الأخرى، سواء الإخوان المسلمين المصريين أو متمردي دارفور. كذلك فإن زيارة إردوغان الأخيرة إلى السودان، والجدل المثار حول إنشاء قاعدة عسكرية تركية في السودان أقلقا مصر للغاية.
بين السعودية وتركيا
فيما عدا التوجهات الأيدولوجية، فإن ما يميز عمر البشير، المدان من قبل محكمة الجنايات الدولية بالإبادة الجماعية وارتكاب جرائم ضد الإنسانية في دارفور، هو البراغماتية. فبعد أن كان حليفاً لإيران لوقت طويل، قطع علاقته بهذا البلد ليتحالف مع المملكة العربية السعودية في 2014 ـ ما ساهم في رفع العقوبات الأمريكية عنه في تشرين الأول/أكتوبر 2017 ـ وأرسل آلاف الجنود إلى اليمن. حتى في مصر، هناك اعتراف بأن تحالف السودان مع أثيوبيا في ملف النيل ينمُّ عن شكل من أشكال الواقعية، فقد أفاد دبلوماسي مصري: “لقد فهمت السودان أن أثيوبيا ستربح، لذا ترجو الآن الحصول على حصتها، كهرباء وفيرة ومجانية، ولكنها تتجاهل العواقب البيئية”، وأثار الدبلوماسي احتمال انهيار السد، وهو احتمال مستبعد جداً، قائلا إن ذلك لو حدث “ستجد الخرطوم نفسها مغمورة بعشرة أمتار من المياه”.
أصبح النيل والقرن الأفريقي، الممزقان بين البلدان الثلاثة، رهن القوى الإقليمية التي تتواجه في الشرق الأوسط، المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وتركيا وإيران. وفي لعبة الشطرنج بالغة التعقيد هذه، تجد مصر نفسها معزولة إلى حد كبير. فقد تحسنت العلاقات مع السعودية بعد فترة حرجة، ولكن الرياض ما زالت تمنح السودان مساعدات لا غنى عنها، تسببت في خفض قيمة العملة الوطنية. “لقد حولوا ثمن الدم اليمني، وبالنسبة للسودانيين، البدو، فإن لهذا حسابه” هكذا علق مفكر مصري، بشيء من الاحتقار. حصلت اثيوبيا على مساندة السودان والولايات المتحدة لكونها من حلفائها الأساسيين في الحرب ضد الإرهاب، خاصة في الصومال والقرن الأفريقي، كما أنها حصلت مؤخراً على مساندة تركيا. فقد زار رئيس أثيوبيا أنقرة في شباط/فبراير 2018 للقاء أردوغان. كما وقع رئيس الوزراء الأثيوبي في تشرين الثاني/نوفمبر 2017 في الدوحة اتفاق تعاون ثنائي ـ حتى أن الصحافة المصرية اتهمت قطر بتمويل بناء السد، وهي أخبار كاذبة.
5
حرب مياه؟
إن فشلت السياسة، هل فكرة الحرب واردة؟ “إن النزاع المقبل في الشرق الأوسط سيكون حول المياه (…) ستصبح قطرة الماء أغلى من قطرة البترول” هذا ما أكده المصري بطرس بطرس غالي عام 1992 بعد تسلمّه لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة. لا شك أن دبيب الأحذية العسكرية يسمع في الأفق، بعد أن أعلنت الصحافة السودانية عن تشكيل قوة مشتركة مع أثيوبيا هدفها حماية السد بالتحديد.
6
إنّ الأسطول البحري المصري يجول في مضيق باب المندب في إطار الحرب على اليمن، ولكنه يستطيع لعب دور في حال حدوث نزاع مع أثيوبيا. كما أن القاهرة أرسلت فرقاً عسكرية إلى أريتريا، عدو أثيوبيا اللدود، علماً بأن نزاعاً مميتاً قد نشب بين البلدين (1998ـ2000).“مع ذلك، ولو أننا متفوقون على أثيوبيا عسكرياً وهو ما لا جدال فيه، فإن سيناريو الحرب مستبعد. فهو سيعزل مصر تماماً.” اعترف لنا دبلوماسي مصري. والمغامرة بحد ذاتها قد تكون على الأرجح أقل سهولة مما يظن محدثنا.
بحسب صحفي مصري، “بالنسبة للسيسي، لا بد من انتظار مرور الانتخابات الرئاسية في نهاية آذار/ مارس” ولكن ماذا سيحدث بعدها؟ لقد طوّر السيسي منذ 2013 خطاباً وطنيا، وحتى شوفينياً، ولكن تنازله للملكة العربية السعودية عن جزيرتي تيران وصنافير، حيث حل مؤخراً جنود سعوديون، تسبب بإثارة عاصفة من الانتقادات وبانخفاض حاد في شعبيته، حتى لدى أشد مؤيديه. فهل من الممكن أن يتسبب بفقدان مصر للنيل، وهو شريان الحياة فيها منذ آلاف السنين؟



التعليقات