الثلاثاء , 26 أكتوبر 2021
اخر الأخبار

أخبار


كتب إدارة التحرير
1 سبتمبر 2021 3:52 م
-
الصراعات الداخلية للإنتخابية الليبية القادمة وضغط الإخوان مع معاناة شعب منقسم

الصراعات الداخلية للإنتخابية الليبية القادمة وضغط الإخوان مع معاناة شعب منقسم

تحرير : فريدة السيسي المصري

 

في الشأن الداخلي الليبي وبالأخص الإنتخابات الليبية

كتب السفير جمال طه:

الصراعات الإنتخابية..

 هل تعيد ليبيا لمرحلة التقسيم والمواجهات؟!

 

معاناة الشعب الليبى منذ فوضى 17 فبراير 2011، تسببت فى انتكاسة سياسية وإحباط نفسى لدى معارضى نظام القذافى ومؤيديه على السواء، فقد تبدلت الأحوال، وبعد ان كانت ليبيا مستقرة؛ تؤمِّن مسكنًا ومأكلًا وفرصة عمل لكل فرد فيها، وتكفل حرية التنقل الداخلى الآمن والسفر خارج البلاد، انقسمت الى منطقة شرقية تواجه نظيرتها الغربية، وتفتتت السلطة بين محليات، تحكمها مجالس عسكرية، تضم عسكريين سابقين وقادة ميليشيات وممثلى عصابات إجرامية.. فى مناخ كهذا طبيعى ان يحن المواطن للأيام الخوالى، أيًا كان موقفه من النظام السابق.. تلك هى المشاعر نحو «سيف الإسلام معمر القذافى».  

 

قبائل الزنتان أسرت «سيف الإسلام» بعد شهر من إغتيال والده، بترت ثلاث من أصابع يده اليمني التي هدَّد بها الليبيين في بدايات الفوضى، وقبع فى السجن ست سنوات، قبل الحصول على عفو عام من حكم الإعدام الصادر بحقه.. لكنه يتعرض لملاحقة قضائية من قبل المحكمة الجنائية الدولية، بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية خلال أحداث الفوضى.. لكنه يسعى لفرض نفسه كأحد المرشحين لحكم البلاد، باعتباره قادر على تحقيق المصالحة، وفرض الإستقرار، مدعومًا من بعض القبائل الليبية الرئيسية.. لكن القرار السياسى فى ليبيا لم يعد قرارًا وطنيًا خالصًا، وانما يتأثر بمواقف القوى الدولية والإقليمية الفاعلة. 

 

الدعم الروسى لـ«سيف الإسلام»

روسيا تعتبر تنصيب «سيف الإسلام» إعادة بعث لنظام حكم القذافى، وبالتالى تكون قد ردت اللطمة التى وجهتها لها دول الناتو عام 2011، عندما خدعوها للموافقة على قرار مجلس الأمن بالتدخل العسكرى لحماية المدنيين، ثم فاجأوها بتنفيذ مخطط شامل لإسقاط نظام الحكم، والإطاحة بالقذافى، ونشر الفوضى فى البلاد.. روسيا خسرت حليفها الرئيسى فى شمال أفريقيا، وفقدت صفقات السلاح الضخمة التى كانت موضع تفاوض.

 

حكومة السراج إحتجزت اثنين من عناصر المخابرات الروسية فى مايو 2019، عقب لقائهما بـ«سيف الإسلام»، حيث تبين انهما يعملان فى منظمة ساترة تدعى «حماية القيم التقليدية»!!، مملوكة ليفجيني بريجوزهين، الشهير بـ«طباخ بوتين»، والمتهم بتنفيذ عملية التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية عام 2016.. تم الإفراج عنهما أواخر عام 2020، لكن المؤسسة تمكنت من إجراء إستطلاع للراى العام الليبى حول شعبية الشخصيات المحتمل ترشحها لرئاسة الجمهورية حال إجراء الإنتخابات، حيث تبين حصول «سيف الإسلام» على المركز الأول بنسبة 23.5%، بينما حل «خليفة حفتر» في المركز الثاني بنسبة 23.1%، وتفتتت باقى الأصوات بنسب هزيلة بين شخصيات سياسية أخرى.. السياسة الروسية تجاه الأزمة الليبية تنطلق من نتيجة ذلك الإستطلاع.   

 

ميخائيل بوجدانوف نائب وزير الخارجية الروسي، الممثل الخاص للرئيس بوتين لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، إستقبل عام 2018 وفدًا من الفريق السياسي التابع لـ«سيف الإسلام» حاملًا رسالة منه، تتعلق بخطته لحل الأزمة الليبية.. بوجدانوف عبر صراحة عام 2019 عن رغبة موسكو فى تكريس مصالحها بليبيا، بإعادة نظام الحكم السابق، واستعادة نفوذها ومصالحها الإقتصادية وصفقاتها العسكرية، وذلك بتأكيده صراحة «أن سيف القذافي يجب أن يلعب دورا في المشهد السياسي الليبي»، بعدها حاولت روسيا إقناع حفتر بدعم «سيف الإسلام»، لتشكيل تحالفاً انتخابياً قويًا، لكن حفتر تحفظ، لتعارض ذلك مع طموحاته الشخصية.

 

عبدالحميد ادبيبة رئيس وزراء الحكومة المؤقته، أدرك أهمية الدور الروسى، وحاول إستثماره، مدعيًا كونه وزيرًا للدفاع، رغم عدم احقيته فى ذلك، بزيارة موسكو منتصف ابريل الماضى، ليقدم نفسه باعتباره البديل، حال فشل الرهان على «سيف الإسلام».. تلميحاته بشأن إحتمال ترشحه لإنتخابات الرئاسة من عدمه، تغفل الشرط القاضي بعدم مشاركة أعضاء الحكومة الإنتقالية في إنتخابات ديسمبر المقبل، وهو الشرط الذي يبدو أن الجميع سيضرب به عرض الحائط.

 

ردود فعل ترشح سيف الإسلام

بمجرد إعلان «سيف الإسلام» ترشحه للانتخابات الرئاسية في مارس 2018،.. كلفت حكومة السراج قوة الردع الخاصة، التابعة للداخلية، والقوات التركية بالبحث عنه، لتسليمه للجنائية الدولية.. المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية إستبقت بإصدار بيان فى 17 مايو الماضى «إما أن يقوم سيف الإسلام القذافي بتسليم نفسه أو تقوم السلطات الليبية بتسليمه إلى المحكمة».. عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبى شدد على أنه «لا يحق لأي شخص محكوم عليه من المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية الترشح لرئاسة الدولة الليبية»، وتزامن هذا التصريح مع إعداد مشروع قانون تنظيم الانتخابات الرئاسية خاصة فيما يتعلق بحق الترشح وإجراءاته، مايعكس نية قطع الطريق أمام ترشح «سيف الإسلام» للرئاسية.

المدعي العام العسكري التابع لوزارة الدفاع أصدر أمرًا بالقبض على «سيف الإسلام» فى 5 أغسطس، موجه الى الأجهزة الأمنية والعسكرية، بتهمة «التورط في جرائم قتل، والإستعانة بمرتزقة».. النيابة العامة أصدرت مذكرة توقيف بحقه تحمل نفس الإتهامات.. ورغم تهديدات أنصاره بإشعال الحرب الأهلية من جديد حال القبض عليه، رفضت واشنطن وتركيا ومعظم الدول الغربية تنصيبه رئيسًا.. وكأن الدنيا قد إجتمعت للحيلولة دون عودته لمعترك السياسة، لن الجميع يدرك أن التجربة علمت «سيف الإسلام» عدم الوثوق بالغرب، وأنه على قناعة بان إعادة الوحدة الوطنية يبدأ ببناء تحالفات قبلية متماسكة، مايعنى انه ضد الغرب، وضد كيان الدولة بمفهومها الحديث، وهذا يضعف من فرصه.

 

فرص ترشح حفتر للرئاسة

حفتر حتى عام 2018 كان الشخصية الأكثر شعبية فى ليبيا، لأنه حافظ على بقايا الجيش الوطنى، وحاول البناء عليه، حارب الإرهاب وفرض الإستقرار شرق البلاد.. خطيئته الكبرى الهجوم على طرابلس فى ابريل 2019، لأنه عرض مدنييها لأضرار بالغة، ووفر المبرر لإستعانة السراج بالمرتزقة والأتراك، وهزائمه المتتالية أفقدته الهيبة والتقدير لدى الرأى العام الليبى.. واصبحت شعبيته قاصرة على المنطقة الشرقية؛ قطاع من مؤيديه يرونه الأصلح للرئاسة، بينما يرفض قطاع آخر تحوّله من قائد عسكري إلى زعيم سياسي، لأن تخلّيه عن القيادة العسكرية لصالح السلطة السياسية، مغامرة غير مأمونة العواقب.

 

رسمياً بدأت حملة ترويج إعلامية بعنوان «كمّل مشوارك»، تؤكد قدرة حفتر على الإمساك بزمام الأمور، وانتشال ليبيا من الفوضى التي تعيشها.. حفتر خلع بدلته العسكرية في العديد من المناسبات وظهر بلباس مدني، وأطلق وعودًا خارج صلاحياته ومهامه العسكرية، ببناء شقق سكنية ومدن جديدة.. المادة «53» من الإعلان الدستوري تحظر على الضباط وضباط الصف والجنود الاشتغال بالعمل السياسي، مما يعنى عدم السماح بترشحه للانتخابات، لكن الفيصل في ذلك هو قانون الانتخاب الجديد الذي ينتظره الجميع، والذى سيحدد ما إذا كان سيسمح بمشاركة العسكريين من عدمه.

أزمة بين حفتر وحكومة طرابلس

 

العلاقة بين حفتر والحكومة الإنتقالية فى طرابلس تنزلق فى طريق الأزمة.. محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي صرح بأنه القائد الأعلى للقوات المسلحة، ووجه جميع الوحدات العسكرية بـ«التقيد بتعليماته فيما يخص الترقيات وتشكيل الوحدات العسكرية وتعيين آمري المناطق وغيرها من اختصاصات».. رد حفتر كان حاسمًا خلال الاحتفال بتأسيس الجيش الليبي بأن «قواته لن تخضع لأي سلطة في ليبيا باسم المدنية أو غيرها، سوى تلك التي اختارها المواطنون».. وأصدر نشرة الترقيات دون استشارة أو موافقة المجلس الرئاسي.. عبدالحميد الدبيبة دخل على خط الأزمة مؤكدًا «لا يمكن للجيش أن ينتسب لشخص، الجيش يجب أن يكون معول بناء وليس هدم».. هذه المواقف المتصارعة والتلاسن العلنى يعكس فقدان الثقة بين الشرق والغرب، ويوفر بعض مبررات المماطلة فى خروج المرتزقة والقوات التركية، ويفسر اللقاء الحار بين أردوغان وادبيبة خلال زيارة الأخير لاستانبول.. وفى النهاية يعرقل إجراء الإنتخابات فى موعدها نهاية العام.

 

موقف الإخوان

إخوان ليبيا لن يسمحوا بإجراء الإنتخابات فى ظل قانون يسمح بترشح «سيف الإسلام» أو «خليفه حفتر»، لذلك تمسكوا ببقاء البنود التي تنصّ على ضرورة أن لا يحمل المترشح للانتخابات جنسية ثانية، وحتمية إقصاء العسكريين عن الترشح.. ممثليهم فى الملتقى السياسي للحوار طرحوا مقترحات تفرض تأجيل الانتخابات، ما أدى لانشقاقات وانسحاب كثير من الأعضاء، وأسفر عن فشله فى تحديد ملامح القاعدة الدستورية التى ستجرى بناء عليها الإنتخابات.. عماد السائح رئيس المفوضية العليا للانتخابات فى طرابلس، اقترح زيادة مقاعد البرلمان الجديد إلى 240 مقعدًا، لتحقيق العدالة في تمثيل المدن الليبية، ما فجر غضب الإخوان، بسبب خشيتهم من ان تؤدى إعادة تخطيط الدوائر الإنتخابية الى فقدانهم القدرة على هندسة الاقتراع لصالحهم.. شككوا فى جنسية السايح، واتهموه بالعمالة لدول أجنبية، وهددوا بتكرار هجوم عام 2018 الإرهابى على مقر المفوضية في طرابلس، الذى قتل فيه نحو 20 شخصا وأصيب أكثر من 15.

 

بعد فشل ملتقى الحوار السياسي فى التوصل إلى صيغة توافقية، يعكف مجلس النواب على إعداد قاعدة دستورية يمكن إجراء الانتخابات على أساسها، لكنه يواجه خلافات عميقة بين النواب بشأنها، كما يواجه رفضًا مبدئيا من المجلس الأعلى للدولة، بحجة تجاهل البرلمان له، وعدم استشارته، مما قد يفرض تأجيل الإنتخابات، وبالتالى تكريس كافة الإشكاليات العالقة والمعرقلة للإستقرار.. خيار التأجيل يدفع نحوه مجلس النواب ومجلس الدولة على السواء سعيًا للحفاظ على الوضع الراهن، والإحتفاظ بما لديهم من نفوذ ومصالح، يتفق معهم فى ذلك أعضاء المجلس الرئاسى ووزراء الحكومة المؤقتة، ويتفق معهم ايضًا القيادات العسكرية فى الغرب والشرق، لأن الإنتخابات وتوحيد الجيش سوف ينهيان دور كل هذه الأجسام السياسية والتشكيلات العسكرية القائمة حاليًا.. إتساع دائرة مصالح هذه القطاعات الحاكمة قد تجعل هذا السيناريو هو الأقرب للتحقيق.

 

ليبيا منقسمة على نفسها، المنطقة الشرقية «بنغازى» تحت سيطرة الجيش الوطنى، والمنطقة الغربية «طرابلس» تحكمها الميليشيات والقوات التركية المدعومة بالمرتزقه، لذلك فإن عودة «سيف الإسلام» تواجه برفض حاد من كل القوى الفاعلة على الأرض.. العلاقة بين حفتر و«سيف الإسلام» تفتقد أساسًا للود، فقد كان الأول ووالد الثانى أعداء ألداء.. النيويورك تايمز نبهت الى نقطة فى غاية الأهمية، وهى ان تحالف خليفه حفتر منذ نهاية عام 2014 مع قادة الكتائب الأمنية التابعة لنظام القذافي، واستيعابه لعناصرهم في صفوف الجيش، يجعل عودة «سيف الإسلام» خصمًا من رصيد حفتر، وقد يؤدى الى شروخ داخل المؤسسة العسكرية، لأن بعض رجالات القذافى يحتلون مناصب هامة فى الجيش؛ اللواء المبروك سحبان قائد القوات البرية، الرائد عمر امراجع قائد كتيبة طارق بن زياد، واللواء عبد السلام الحاسي قائد القوات الخاصة، وغيرهم.   

 

 

ماسبق بعض الإشكاليات المتعلقة بإثنين من المرشحين المحتملين، فما بالك بالإشكاليات المرتبطة بعشرات المرشحين الآخرين.. وفى الحقيقة فإن التطور الخطير المحتمل حدوثه، وفقًا لتقديرنا، انه عند حلول موعد 24 ديسمبر دون إجراء الإنتخابات، تعود الدولة للتقسيم، إستنادًا الى إنتهاء الأجل المقرر للحكومة المؤقتة دون إنجاز مهمتها، وعدم تحقيق تقدم فى الملفات الرئيسية.. هذا الموقف سبق حدوثه فى ديسمبر 2017 بعد انتهاء اجل إتفاقية الصخيرات، وحذر منه عقيله صالح خلال جلسة منح الثقة لحكومة ادبيبة، عندما أكد انه سيتم التعامل معها بعد 24 ديسمبر باعتبارها حكومة تسيير أعمال، لأن الثقة الممنوحة لها تغطى ما قبل ذلك الموعد فقط.. قد يستقل الشرق ببرلمانه المنقسم على نفسه وجيشه الوطنى، والغرب بمجلسه الأعلى الخاضع للإخوان والميليشيات والأتراك والمرتزقة.. ذلك هو أقرب الإحتمالات، مالم تتدخل القوى المعنية دوليًا وإقليميًا وتفرض حلًا يخلص ليبيا الشقيقة من براثن أصحاب المصالح المتسببين فى أزمتها المزمنة.



التعليقات