الأربعاء , 20 نوفمبر 2019
اخر الأخبار

رأي


19 سبتمبر 2019 12:57 ص
-
قراءة في مشهد الاعتداء الإيراني على بقيق وخريص

قراءة في مشهد الاعتداء الإيراني على بقيق وخريص

بقلم: محمد مسعود الاحبابي

هل يمكننا القول: إنَّ الهجوم الغاشم على بقيق وخريص سيفتح الحرب على إيران قبل جماعة الحوثي؟.

حملت الأيام الأخيرة للمملكة العربية السعودية الشقيقة مشهدًا مفاجئًا لكل الأوساط من المهتمين بشئون الخليج العربي، والشرق الأوسط سواء على المستوى الأمني، أو السياسي، أو الاقتصادي، حيث صدر يوم السبت الموافق 14 سبتمبر الجاري إعلان يوثِّق إستهداف معمل بقيق، وهو أكبر معمل لتكرير النفط في العالم، وحقل خريص التابعين لشركة أرامكو السعودية عبر هجوم نفذته طائرات مُسيَّرة بلا طيَّار  تبنته مليشيا الحوثي.

إنَّ الوقائع التي تمس السياسات الدولية والإعتداءات ليست وليدة اللحظة وإنما لابد لها من جذور ضاربة فيما سبقها من أحداث على الصعيدين؛ المحلي والعالمي.

والأمر الذي يكشف عن بعض المدلولات ذات الأهمية لهذا العدوان هو توقيته الزمني لاعتبارات عِدَّة، أهمها:

أولاً: كان التوقيت الزمني للاعتداء على المنشآت النفطية السعودية بعد إقالة مستشار الرئيس الأمريكي جون بولتون؛ صقر المحافظين وأكثر المتشددين ضد إيران، فهل تمثل مغادرته نقطة تحوُّل تتعلَّق بالسياسة الخارجية الأمريكية؟. 

ثانيًا: كان الإعتداء بعد فتح إتصالات سرية بين الولايات المتحدة والحوثي للمرة الأولى، فهل يعني هذا تورط أمريكي في الحادث؟.

ثالثًا: وقعت الكارثة بعد أيام قلائل من تولي وزير الطاقة السعودي الجديد عبد العزيز بن سلمان، الابن الرابع للملك سلمان عبد العزيز، فهل يتعلق الأمر ببعض التدابير المتعلقة بسياسة المملكة الداخلية؟.

رابعًا: سبق حادث العدوان إستعداد عملاق النفط السعودي والعالمي "أرامكو" لطرح حصص من أسهمها قريبا، فهل تتطرق دوافع الاعتداء إلى الرغبة في إلحاق الضرر بمستقبلها الاقتصادي؟.

عندما يختلط الحابل بالنابل، وتشيع الفوضى في المِنطقة بين الحين والآخر فحتمًا هناك أعين ضخمة تحدِّق في صمت وتتابع أثر التدبير الشيطاني، ولا أقصد هنا سوى الأثر العقلي؛ أي كيف يُفسَّر حادث العدوان في كل مرة، وطالما أن حوادث التخريب تتكرر بكيفيات متشابهة فإن تفسيرها في كل مرة غالبًا ما يجانب الصواب ويقترب من خطأ التأويل السياسي.

أدلى الكثيرون بدلوهم في محاولات توقعية استهدفت الكشف عن الدوافع وراء هذا الحدث البغيض، وعن اليد الخفية المحرِّكة لذوي الضلال الفكري، واتكأ البعض فقط على الجانب الوصفي للحدث.

والتفكُّر العميق في هذه الكارثة يطرح على الذهن تساؤلات تحمل في طياتها نذير خطر يستهدف المِنطقة بأسرها، وأهم هذه التساؤلات:

أولاً: كيف تخطَّت تلك الطائرات المُسيَّرة الدفاعات الجوية السعودية، وهي تمتلك أحدث ترسانات الدفاع الجوي الأمريكي؟، وكيف حدث الأمر نفسه فى الكويت حيث تسللت إحدى الطائرات إلى الأجواء الكويتية، وحلَّقت لساعة كاملة فوق القصر الأميري؟. فإن كان هدف سرب الطائرات المُسيَّرة ضرب الحقول النفطية ببقيق وخريص، فماذا كان الهدف وراء تسلل تلك الطائرة إلى الأجواء الكويتية، وبالقرب من القصر الأميري تحديدًا؟.

ثانيًا: ما مضمون الرسالة الإيرانية لا الحوثية من تلك العملية التي تجاوزت حدود القوة المعتادة في أي عملية سابقة في تاريخ الحرب اليمنية؟.

ثالثًا: هل سنذهب لما هو أبعد من ذلك أم سيلتزم كلا الطرفين (إيران والسعودية) الهدوء والصمت؟.

بعد التأمل بعمق في هذا المشهد، نرى بوضوح مراحل التطور الخطير في العدوان على الأراضي السعودية الذي يفوق قدرات الحوثي، ولكنه يتوافق مع حيثيات وطبيعة أدوات الإعتداءات الإيرانية، ولعل إيران استخدمت أراضٍ أخرى غير أرض اليمن لتكون انطلاقة جديدة لتهييج الشر، وإثارة الفتن، وأن هذا الأمر لن يزعج الولايات المتحدة التى يُفترض أنها حليف المملكة العربية السعودية، ولعلَّها الآن مرحبة بنتائج العدوان خاصة في ضل تناقضات ترامب من خلال تصريحاته وتغريداته، منتظرة ردت فعل المملكة العربية السعودية وما ستحققه الولايات المتحدة الأمريكية من خلالها، هذا إضافة إلى رغبة الصهيوني الطامح في تكوين حلف عسكري فى الخليج العربي بمشاركة دول الخليج نفسها وتحت قيادة إسرائيل.

وكما كانت الأحداث السابقة للاعتداء لها بالغ الأثر في حدوثه، فإن النظرة التحليلية لما تلاه من إستجابات دولية تكشف العدو من الصديق، والمهتم بأمورنا ممَّن يتخذنا جسرًا لتحقيق مصالحه التنموية؛ فمن اللافت للنظر إقتصار الاهتمام الدولي بالحدث على الناحية الاقتصادية فقط، فقد انحصرت إستجابة جميع دول العالم المستوردة للنفط في اطمئنانها على ضمان ثبات حصتها من النفط السعودي، وهذا يؤكد على أن جميع الأطراف ذات الصلة تنظر إلى حدث الإعتداء من منطلق مصالحها؛ فالولايات المتحدة، وروسيا، والصين، ودول أوروبا لا يشغلهم في المقام الأول مع أية أزمة خليجية سوى ضمان إستمرار إمدادات النفط قبل كل شيء، ولكنهم لا يضعوا سلامة مِنطقة الخليج واستقراره الأمني والسياسي في حساباتهم الخاصة، وأنا أبشِّر كلَّ هؤلاء بأن السعودية تدرك ذلك جيدا، ولكنها تتحلَّى بصبر إستراتيجي عالي المستوى، فكم باءت بالفشل محاولات أعداء الأمة لتوريطها في حرب أكبر من الحرب اليمنية المُندلعة منذ أكثر من أربعة أعوام!.

ومن أجل ذلك أؤكد لرعاة مصالحهم في بلادنا أن أراضينا ليست مجرد خزانة للنفط، وأننا قادرون على التصدِّي لاعتداء أي معتد، ورد كيد كل خائن، بل قادرون على عرقلة كل من يعتبرنا فقط مصدرًا لطاقته الإنتاجية ومحرِّكًا لعجلة تنميته لأننا لنا وجود حقيقي وفعَّال في هذا العالم.

وأخيرًا، لا يفوتني التعليق على مكالمة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان تضامنًا مع السعودية الشقيقة عصر يوم الاثنين الموافق 16 سبتمبر، ويؤكد هذا التواصل من جديد على متانة العلاقة بين أبوظبي والرياض على الرغم من كل محاولات الوقيعة التي يبذلها إخوانجية التنظيم الدولي في كل بقاع العالم، وأوكد لهؤلاء وأمثالهم من أصحاب الفكر المُضلِّل على رغبة الإمارات المُلحَّة وقدرتها الفائقة على إذابة كل تدبير كيدي، وامتصاص أية أزمة خليجية حرصًا على إستقرار مِنطقة الخليج، وضمانًا لسلامة شعوبها.



التعليقات